البطريرك لحام من الربوة: لإقامة سلطة عالمية تكفل للجميع الأمن والعدالة | افتتح المركز العالمي لحوار الحضارات "لقاء"، بمشاركة كليتي الطب والصحة العامة في الجامعة اللبنانية وجامعة DESCARTE - PARIS، المؤتمر العلمي الدولي بعنوان "الأخلاق الطبية وحوار الحضارات"، برعاية بطريرك انطاكيا وسائر المشرق والاسكندرية واورشليم للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، في مركز "لقاء" في الربوة. حضر الحفل اضافة الى البطريرك لحام، النائب ميشال موسى، رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور عدنان السيد حسين، أمين عام المجلس الاعلى للروم الكاثوليك العميد المتقاعد شارل عطا وعدد من اعضاء المجلس، الدكتور أحمد بن محمد الحارثي ممثلا سفير سلطنة عمان في بيروت، المستشار الثقافي في السفارة الفرنسية في بيروت برنار روش، الدكتور داوود الصايغ، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي روجيه نسناس، نقيب الأطباء الدكتور انطوان بستاني، عميد كلية الطب في الجامعة اللبنانية الدكتور بيار يارد، عميدة كلية الصحة في الجامعة اللبنانية الدكتورة نينا زيدان، وممثلون عن جامعة ديسكارت - باريس، الرئيسة العامة لراهبات القلبين الأقدسين الأم دانييلا حروق، كميل منسى، وحشد من الشخصيات الأكاديمية والفكرية والاعلامية والطلاب. السبع بدأ الحفل بالنشيد الوطني ثم النشيد العماني فالنشيد الفرنسي ثم نشيد الجامعة اللبنانية. وألقى مدير المؤتمر الاب الدكتور ميشال السبع كلمة رحب فيها بالحضور، وقال: "نحن اذ انشأنا هذا المركز فلأننا أبناء حضارة عريقة تلونت وتمازجت عبر شعوبها المتعددة، ونحن ندرك ان الشعوب هي التي تصنع الحضارة بشكل تفاعلي وسلمي". وأضاف: "ننظم اليوم مؤتمرنا تحت شعار الايمان والقيم من خلال الاخلاقية الحيوية في عالم الطب. واهمية عالم الطب تكمن في ان الطبيب يشارك الانسان الفرد في وجوده وكيانه الجسدي والنفسي، وبيده احيانا كثيرة تقرير مصير الحياة والموت وهذه مسؤولية مهنية بالدرجة الاولى لكنها تضع على المحك قضية الايمان والقيم، وبقدر ما يكون الطبيب مؤمنا بالانسان كقيمة تندرج ضمن الحق بالحياة وبطبيعة الحياة الخيرة وبهدفها نحو التكامل مع الجماعة في اطار الجمال الجمعي بقدر ما يكون عمله حضاريا تفاعليا مع الجماعة الكونية. وبقدر ما تتقدم مهنيته وربحيته على التزامه القيمي وايمانه بانسان كقيمة بقدر ما يصبح المريض بين يديه مجرد سلعة قابلة للبيع والشراء". أبو مراد من جهته، أعلن رئيس الجمعية العلمية للمؤتمر الدكتور فادي ابو مراد، ان القرن العشرين تميز بتقدم العمل في مجال البحثو الطبية، وقال: "منذ ايلول الماضي وبعد اكتشاف تسلسل ال"جينوم" من خلال عينة من اللعاب، اصبح باستطاعة الانسان الحصول على بيانات شخصية تتصمن نسبة المخطار الصحية التي يمكن ان يواجهها في حياته". وأكد ان الطب اصبح اكثر دقة الى درجة ان كفاءة الطبيب لم تعد كافية، واصبح من الضروري تطوير ممارساته وذلك احتراما لاخلاقيات المهنة. يارد من جهته، قال العميد يارد: "ما أحوج العالم اليوم ولبنان خاصة إلى عقد لقاءات ومؤتمرات وبحوث موضوعها الأخلاقيات وحوار الحضارات"، مشيرا الى ان "العالم من حولنا يتعامل بكل اسف مع الاخلاقيات كأنها وجهة نظر غير ذات قيمة امام أهمية المردود المالي. والواقع الاجتماعي والطبي في العالم وخاصة في لبنان يشهد تضاربا في سلم القيم ولم يعد يدرك ما هي الاسس الاخلاقية والاولويات وكيفية التمييز بين المسموح والممنوع". وأعلن "ان كلية الطب في الجامعة اللبنانية ومن خلال رسالتها الاكاديمية والانسانية والوطنية شاءت بالتعاون مع LIQAA وجامعة Paris Descartes أن تقارب هذه المواضيع الشائكة من منطلق علمي لتظهر مرة جديدة أن الأديان السماوية والحضارات تلتقي كلها على القيم ذاتها من أجل خير الإنسان وتقدمه". ولفت الى ان "مواضيع الحلقات شيقة علميا ومهمة إنسانيا، ولأجل هذا أصريت على أن يحضر طلابنا هذا المؤتمر ليتعلموا القواعد الأساسية للأخلاقيات التي هي ركن أساسي للطب السليم وللطبيب الناجح". بستاني اما نقيب الاطباء بستاني فأشار في كلمته الى اخلاقيات مهنة الطب والعلاقة الوثيقة بين الطبيب والمريض على اسس هذه الاخلاقيات"، مؤكدا انه من المستحيل فصل الاخلاقيات عن هذه المهنة، فمن دون الاخلاقيات يصبح الطبيب كوحش وتصبح ممارسته للمهنة كمغامرة خطرة". وأعلن "ان هدف المؤتمر هو محاولة استقراء مفهوم الأخلاق في مختلف جوانب الحياة"، معتبرا ان "الأخلاق ليست حكرا على الأديان، وهي القاسم المشترك الذي يساعد على تحسين طبيعة العلاقة بين البشر، وبالتالي نوعية الحياة، ووجودها لا غنى عنه"، مشددا على "دور الأخلاق في السياسة كما تبين عبر التاريخ والتجربة". ا السيد حسين رئيس الجامعة اللبنانية السيد حسين، استهل كلمته "بشكر بناة هذا المركز العالمي لحوار الحضارات في وقت نحن بأحوج ما نكون الى مثل هذا الحوار". وقال: "في الواقع، ان صاحب الغبطة بما أدلى في غير موقف وتجاه غير قضية انطلق من كرامة الانسان. وليس في علمنا جميعا أن هناك حضارة انسانية أو دينا سماويا لا يقر بكرامة الانسان وقيمه العليا، هذا أمر لاهوتي فقهي، ونحن الأكاديميون نقول أنه أمر فلسفي يصاحبنا الى وقت طويل. فعندما نتحدث عن الاخلاقيات الطبية، وكأننا نكتشف أمرا منذ الف سنة وهو احترام كرامة الانسان، احترام جسده على الاقل". وأشار الى ان منظمة المؤتمر الاسلامي منذ القرن الماضي أقرت الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان، ومن ضمن هذا الاعلان هو حرمة الجنازة، وقال: "أنا أسأل قبل أن تحترموا الجنازة وهي أمر واجب، فهل تحترمون الحياة اليوم؟ هل تحافظون على انسانية الانسان؟ لا، ورئيس الجامعة اللبنانية المسلم لن يقبل بأن تنتهك كرامة الانسان وحياة الانسان الى هذا الحد في بلاد العرب والمسلمين. لقد قمنا بدراسة بحثية مقارنة بين الاعلان العالمي لحقوق الانسان وبين الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان، وكانت النتيجة اللقاء على اكثر من 70 بالمائة مشتركات بين الاعلانين، فلماذا لا يطبق هذا الاعلان أو ذاك؟". وتابع: "قد يقال أن السياسة أو الاستعمار أو قد يقال أشياء أخرى، ولكن أين واجباتنا نحن في ذلك، بادخال الأخلاقيات الطبية في برامجنا، وهذا امر واجب وقانوني مكرس ينسجم مع القوانين اللبنانية الناظمة للحياة العامة ونحن مسؤولون قبل الغير في توعية الناس من خلال الجامعة على هذه الاخلاقيات والقيم الانسانية ومن يفصل بين هذه الاخلاقيات والقيم كمن يفصل بين الهواء والماء، فلا يمكن الفصل ولا يمكن اغفال هذه الحقائق". وختم قائلا: "هذا الموضوع المطروح اليوم هو موضوع عالمي صحيح، لكن الاحرى بنا نحن اللبنانيين ونحن العرب، وأقول تجاوزا "نحن المسلمين" أن نطبق أخلاقيات الطب والأخلاقيات العامة قبل أي اعتبار سياسي أو اجتماعي، فالعلم المفصول عن الاخلاق والمجرد من الاخلاق هو علم مادي يوصل الى نكسات جديدة والى تدمير ممنهج من اجل المال ومن اجل الماديات، ويبقى أمر اساسي أن جامعتنا التي تشارك اليوم عبر كلية العلوم الطبية وكلية الصحة العامة، لهذه المجموعة نحن نقول، نحن بحاجة الى تثبيت هذه العلاقة بين الأخلاق والعلم، بين القيم والعلم من خلال الدراسة اليومية الأكيدة ومن خلال منهاج اكاديمي ليس له علاقة بأي متغيرات تحصل من هنا أو هناك، وهذه مسألة مستدامة نتقيد بها، ولبنان المولج بهذه المسألة عليه أن يكون أمينا للاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي ساهم في وضعه". لحام: ثم كانت كلمة راعي المؤتمر البطريرك لحام الذي قال: "عنوان هذا المؤتمر يشمل كل الأمور المتعلقة بحياة الإنسان الأخلاقية. والأخلاق مرتبطة بالحياة وقيمتها وكرامة الإنسان وقيمته وحرية الفرد وقيمته. الله أكرم الإنسان بكرامة ما بعدها كرامة فخلقه على صورته ومثاله. وفي الفقه واللاهوت المسيحي رفعه إلى أعلى مستوى. ويقول المزمور:" نقصته قليلا عن الملائكة. بالمجد كللته وعلى أعمال يديك سلطته"( المزمور 8). لا بل مع تجسد الكلمة السيد المسيح، أصبح جسد الإنسان المادي جسد ابن الله. وقد عبر الآباء القديسون شرقا وغربا عن هذا الأمر بالقول المأثور: "لقد أصبح الله إنسانا لكي تصبح أنت الإنسان إلها ". وقال القديس إيريناوس:" إن مجد الله هو الإنسان الحي". والكنيسة أمينة في تعليمها لهذه الحقائق الجوهرية في أية منظورة تتعلق بالإنسان وكرامته وقيمته وحريته، ومرضه وموته وإعاقته....كل ما تقدم وكل ظروف وشروط ومقومات النشاط البشري، حول الأخلاقيات وسواها، كلها ترتبط بالنمو الروحي والإنساني الكامل، بإتيان الملكوت من خلاله، وليس فقط بجسده ومصلحته". اضاف: "تعليم الكنيسة حول الأخلاق والحياة، مرتكز على القيمة المطلقة للإنسان. وهذه بعض التوجيهات الأساسية التي نجدها في وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني الأولى بين أعمال المجمع في "الدستور الراعوي حول الكنيسة في عالم اليوم ". ( 7/12/1965). وتابع: "الملفت، أن هذا الدستور والفصل الأول منه يحمل عنوان: "كرامة الإنسان الشخصية" يتصدر كل أعمال المجمع الفاتيكاني. الوثيقة الأولى والأوسع في وثائق المجمع تبدأ بهذا المبدأ المسيحي لا بل الإنساني الواسع: "يتفق المؤمنون وغير المؤمنين معا بوجه عام، في أن كل شيء على سطح الأرض ينبغي أن يوجه للإنسان كما يوجه إلى محوره وقيمته معا".( الدستور الراعوي حول الكنيسة في عالم اليوم رقم 1، 12). هذا الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله (تكوين27:1). "وهو في صميمه كائن اجتماعي. وما لم يقم علاقات مع الغير فإنه لن يستطيع أن يعيش ولا أن تزدهر مواهبه ".( رقم 1، 12)، وهذا أساس الأخلاقيات: العلاقة مع الله والعلاقة مع الآخر؛ وبهذا المعنى قال البابا القديس يوحنا بولس الثاني:"إن جوهر الإنسان أن يكون مع ولأجل". (رسالة السلام 2005)". وأشار الى "ان الخطيئة تكمن في فقدان هذين البعدين أو أحدهما. والأخلاقيات يجب أن تؤمن هذين البعدين الأساسيين في حياة كل إنسان: احترام العلاقة مع خالقه وتنميتها، والعلاقة مع الآخر، مع أخيه الإنسان. وفي المسيحية تبرز مركزية السيد المسيح في حياة المؤمن، وذلك من خلال الإنجيل المقدس، ومن خلال تعليم الكنيسة التي أوكل إليها من الروح القدس أن تكون "الأم والمعلمة". وقال: "هذه هي المنظومة الأساسية التي ترتكز عليها الأخلاقيات في المسيحية، وبالتحديد في الكنيسة الكاثوليكية. وهذا ما يميز التعليم الأخلاقي: فهو يرتكز على وحي الله، الذي تحافظ على محتواه السلطة الكنسية. وهذ هو الأمر المريح وفي الوقت نفسه المتطلب. فهناك ضمانة وهناك التزام بتعليم الكنيسة والطاعة لها. ورد هذا التعليم في دستور المجمع الفاتيكاني الثاني وهو المذكور أعلاه. وهو يحلل العوامل الأساسية التي تؤثر على سلوك الإنسان وقناعاته وخلوقيته". اضاف: "إن ظروف الإنسان في عالم اليوم تؤثر تأثيرا كبيرا على موقف الإنسان من الأمور الحياتية والقيم الدينية والاجتماعية. وقد عبر عن ذلك الدستور المذكور وأقدم أهم فصوله المتعلقة بموضوع الأخلاقيات: علامات الأزمنة على ضوء الإنجيل "حتى تقوم الكنيسة بهذا الواجب على غير وجه، يلزمها أن تبحث في كل وقت عن علامات هذا الزمن وتفسرها على ضوء الإنجيل حتى تستطيع أن تستجيب بشكل يلائم كل جيل، على الاسئلة الأزلية التي لم يتوقف الناس عن طرحها حول معنى الحياة الحاضرة والمستقبلة وحول علاقاتهم مع بعضهم البعض ".( رقم 4،أ ). " إن الجنس البشري يعيش في وقتنا هذا، حقبة جديدة من تاريخه تتميز بتغيرات عميقة وسريعة، تمتد شيئا فشيئا لتعم الكرة الأرضية بأجمعها. وهذه التغيرات التي أحدثها الانسان بذكائه وبمجهوده الخلاق تنعكس عليه هو نفسه وعلى أحكامه ورغباته الفردية والجماعية، وكذلك على طريقة تفكيره وعمله سواء بالنسبة للأشياء أو بالنسبة للناس. وقد بلغ هذا التحول حد التغير الشامل للمجتمع وللثقافة تمتد آثاره حتى الحياة الدينية ذاتها ".( رقم 4، ب ). "إن تحول العقليات والهياكل الاجتماعية كثيرا ما يؤدي إلى إعادة تساؤل الشباب حول القيم المتوارثة. فكثيرا ما لا يقدرون على تفهم حالهم بل أكثر من ذلك يحولهم قلقهم إلى متمردين ثائرين في حين أنهم يشعرون بأهميتهم بالنسبة للحياة الاجتماعية ويتوقون إلى الاضطلاع المبكر بمسئولياتهم. ومن أجل ذلك فقد أصبح مألوفا أن يشعر الآباء والمربون بمصاعب متزايدة في تأدية رسالتهم ".( رقم 7، أ ). " فإطار الحياة والقوانين وطرق التفكير والاحساس المتوارثة لا تبدو دائما ملائمة للوضع الحالي للأمور. ومن هنا ينشأ الارتباك في السلوك وقواعد التصرف ".( رقم 7،ب ). وتابع: "من جهة أخرى تؤكد الكنيسة على الثوابت الدينية التي في أساس التعليم الأخلاقي في الكنيسة الكاثوليكية، حول كرامة الإنسان، والضمير والحرية والخطيئة، وعلاقة كل ذلك بشخص السيد المسيح. كما أشرنا إلى ذلك في الفقرات المذكورة أعلاه. وتشدد الكنيسة على احترام جسد الإنسان الذي هو هيكل الله الحي. ولذا فلا يجوز أن يصبح سلعة: "ولا ريب أن الانسان على حق عندما يعتقد انه أسمى من هذه العناصر المادية. وأنه بالتالي لا يمكنه أن يمسخ وينحدر بحيث يصبح مجرد شىء جزئي في الطبيعة أو عنصرا دون تسمية في المدينة البشرية ".( رقم 14، ب ). وهذا هو الخطر الأكبر في كل القضايا المتعلقة بأخلاقيات الحياة". كرامة الضمير وقال: "يشدد المجمع على كرامة الضمير، وعظمة الحرية، على شرط أن يستنير بنور الإيمان المقدس.( رقم 16و17 ). اضاف: "يشعر الإنسان في أعماق ضميره بقانون لم يفرضه على نفسه ولكنه عليه الامتثال له، وهذا الصوت الذي لا يتوقف عن ملاحقته يحثه على محبة الخير وعمله، وعلى تجنب الشر، يردد في الوقت المناسب في أعماق قلبه "افعل هذا وتجنب ذاك" - ولا غرو فإن الله قد سجل هذه الشريعة في قلب الإنسان. فإذن كرامة الانسان في الخضوع لها وهى التي تحاسبه وتدينه ". وأردف قائلا: "ان الضمير هو المركز الأكثر سرية في الانسان، هذا الهيكل الذي يختلي فيه بالله وحيث يستمع إلى كلام الله. وهذه الشريعة التي تتحقق في حب الله والقريب، يكشفها الضمير بصورة عجيبة. وإذا أراد المسيحيون أن يخلصوا إلى ضمائرهم متحدين في ذلك مع بقية البشر، فعليهم أن يكتشفوا معا الحقيقة والحل العادل للعديد من المشاكل الأخلاقية التي تثيرها الحياة الخاصة والعامة معا. وبقدر ما يتغلب الضمير المستقيم بقدر ما يبتعد الافراد والجماعات عن التهور الأعمى في اتخاذ القرارات ويميلون إلى التمسك بالضوابط الموضوعية للأخلاق. إلا أن الضمير كثيرا ما يضل بسبب جهل لا يمكن التغلب عليه. ولكنه مع ذلك لا تهدر كرامته. والأمر يختلف في الإنسان الذي يقل إهتمامه بالبحث عن الحق والخير عمن يتعود ارتكاب المعصية، اذ يفقد تدريجيا بصيرة ضميره ".( رقم 16). عظمة الحرية وتابع: "ولكن الإنسان حين يتجه للخير، فإنما يفعل ذلك دائما بملء حريته. تلك الحرية التي يقدرها معاصرونا تقديرا عظيما وينشدونها بحمية، وهم على حق في هذا. ولكنهم أحيانا يعشقونها بطريق غير سوي وكأنها استباحة عمل كل شيء وإن كان عين الشر. ولكن الحرية الحقيقية هي للإنسان علامة مميزة لصورة الله فيه. لأن الله أراد أن يترك للإنسان مبادرته الذاتية حتى يستطيع أن يبحث عن خالقه من تلقاء نفسه، وبالتصاقه به بحرية يحقق ملء السعادة. فكرامة الإنسان تقتضي إذن منه أن يتصرف وفق اختيار واع وحر، يحركه ويحدده الاقتناع الشخصي وليس فقط الدوافع الغريزية أو الاكراه الخارجي. ويصل الانسان إلى هذه الكرامة حين يتحرر من عبودية أهوائه بالاختيار الحر للخير. فيسير قدما نحو مصيره مستعينا بابتكاره في الوصول إلى وسائل تحقيق هذا المصير. على أن الحرية البشرية إذا أهدرت من جراء الخطيئة فهي لا تستطيع أن تعود إلى وجهة الله بشكل جاد وكامل إلا بمعرفة النعمة الإلهية وأمام القضاء الإلهي سيتحتم على كل منا أن يقدم حسابا وفق ما صنع من خير أو شر ". ( رقم 17). أمور تتعارض مع كرامة الإنسان وقال: "يندد المجمع بكل الأمور التي تتعارض مع كرامة الإنسان، ومع الحياة وقيمتها والحفاظ عليها. "وبالإضافة إلى هذا فإن كل ما يتعارض مع الحياة ذاتها كالقتل بجميع أنواعه وقتل الجنين والإجهاض وقتل المرضى المستعصي شفاؤهم لوضع حد لآلامهم، والانتحار بمطلق الإرادة. وكل ما يشكل إهدارا وإكراها كالتشويه والتعذيب الجسماني والأدبي، وكل ما يحط من كرامة الإنسان، مثل العيش في ظروف لا إنسانية، والسجن التعسفي المستبد والنفي والرق والدعارة والاتجار بالنساء والأطفال، وأيضا ظروف العمل الاذلالي التي تحول العمال إلى مجرد آلات إنتاج بلا مرعاة لشخصيتهم الحرة المسئولة. إن كل هذه الممارسات وما يشابهها هى في الحقيقة شائنة فإنها تفسد الحضارة وتشين من يطبقها أكثر مما تشين من يتحملونها أهانات جسيمة تمس كرامة الخالق ".( رقم 27، ج ). ويدافع المجمع عن المساواة بين الناس والعدالة الاجتماعية:" ولذلك فإن على المنظمات الخاصة والعامة أن تجتهد في بذل قصارى جهدها لخدمة الكرامة والمصائر البشرية. وأن تناضل في نفس الوقت بنشاط ضد كل صنوف الاستعباد الإجتماعي والسياسي وأن تكفل للناس حقوقهم الأساسية في ظل نظام سياسي. وحتى إن احتاج الوصول إلى هذا الهدف بعض الوقت طال أو قصر، فعلى هذه المؤسسات البشرية أن تتجاوب مع الحقائق الروحية التي تعتبر أكثر الحقائق سموا".( رقم 29، د ). كرامة الإنسان وكرامة الجسد وقال: "يعود المجمع ليؤكد مرارا وتكرارا أهمية كرامة الإنسان، وحرص الإنجيل والكنيسة على صورة هذه الكرامة. "وإن الكنيسة إذ تعتمد على هذا الإيمان، تستطيع أن تصور كرامة الطبيعة الإنسانية برغم اختلاف الآراء التي تغالي حينا، أما في الحط من قدر جسد الإنسان، وأما حينا آخر في تمجيده لأقصى حد. وليس هناك قانون بشري يستطيع أن يكفل للانسان كرامته الشخصية كما يكفلها الإنجيل الذي استودعه المسيح الكنيسة. فهذا الإنجيل يبشر بحرية أبناء الله ويعلن هذه الحرية، فيشجب كل أنواع العبودية التي تسببها الخطيئة. كما يحرص الإنجيل أيضا على احترام كرامة الضمير وحرية اختياره ويعلمنا على الدوام كيف نستثمر مواهبنا في خدمة الله وخير الانسانية ".( رقم 41، ب ). "فنحن معرضون للظن بأن احتفاظنا الكامل بحقوقنا يقتضي التهرب من قواعد نواميس الرب. ولكن الكرامة الإنسانية تهدر ولا تصان لو أنها اتبعت هذا السبيل ".( رقم 41، ج ). الإيمان والثقافة وقال: "يربط المجمع باهتمام بالغ بين الإيمان والثقافة: "ومن جهة أخرى حين يعكف (الإنسان ) على مختلف العلوم والفلسفة والتاريخ والرياضيات والتاريخ الطبيعي وحين ينمي الفنون، إنما يسهم بقسط وافر في تهيئة الأسرة البشرية للانفتاح على القيم النبيلة لكل ما هو حقيقي وخير وجميل، والنظر إلى الأشياء نظرة تقويم شامل. وهو بذلك يتلقى أضواء جديدة عن الحكمة الفائقة التي صاحبت الله منذ الازل والتي تدبر معه كل شيء وتتابع عملها على الكرة الأرضية وتجد نعيمها مع أبناء البشر ".( رقم 57،ج ). "لا شك أن التقدم الحالي للعلوم والتقنية، التي لا يمكنها بسبب حدود وسائلها الوصول إلى أعماق الحقيقة والواقع، قد يحبذ فلسفة الظواهر (الفينومينولوجيا) وحتى الإغنسطية، عندما تتخذ أساليب البحث الخاص بهذه العلوم العاجزة عن إدراك ما وراء الحس، كقاعدة عليا للتوصل إلى معرفة كل حقيقة دون تمحيص. لا بل يخشى على الإنسان، الذي يبالغ في الاعتماد على الاكتشافات الحالية، من أن يتسرب إليه التفكير بإمكان اكتفاء نفسه بنفسه، والشعور بأنه لم يعد في حاجة إلى البحث عن قيم سامية عليه ".( رقم 57،ه ). "غير أن هذه النتائج المؤسفة لا تنجم حتما عن الثقافة العصرية. ولذلك ينبغي ألا تعرضنا لمغبة الاستهتار بالقيم الإيجابية لثقافة العصر. ويحق لنا أن نشيد بهذه القيم المتذوقة للعلوم والأمانة الفائقة في البحوث العلمية في اكتشافها للحقيقة، وضرورة العمل بروح الفريق في المجموعات المتخصصة، وكذلك روح التعاون الدولي والشعور المتزايد وضوحا عند العلماء لمسئولياتهم في معاونة البشر والحفاظ على حياتهم، والرغبة في توفير الظروف الأفضل للجميع، خصوصا أولئك المحرومين من المسئولية أو الذين يعانون من التخلف الثقافي. وفي كل هذه القيم فإن تقبل بشارة الإنجيل تجد أرضية مهيأة، كما أن محبة الذي جاء لخلاص العالم كفيلة بارسائها ".( رقم 57،و ). التطور الإقتصادي في خدمة الإنسان وتابع: "كما يشدد على أهمية التطور الإقتصادي بخدمة الإنسان: " يحاول العالم اليوم بحق، وأكثر منه في أي وقت مضى، أن يرفع مستوى الإنتاج الزراعي والصناعي ويزيد كمية الخدمات المبذولة. وذلك ليواجه تضخم عدد السكان ويتجاوب مع مطالب الجنس البشرى المتزايدة. ولذا يجب أن نشجع التقدم الفني وروح التجديد وإنشاء المشاريع والتوسع فيها، وتكييف وسائل الإنتاج، كما يجب أن نشجع الجهود المتواصلة التي يبذلها كل الذين يساهمون في هذا الإنتاج. وباختصار، كل ما من شأنه أن يساعد على هذه الانطلاقة ".( رقم 64 ). "ولكن الغرض الأساسي من هذا الإنتاج، ليس مجرد الإكثار من المواد المنتجة، ولا مجرد الربح أو كسب النفوذ، بل هو خدمة الإنسان، الانسان بأكمله، بنسبة أهمية احتياجاته المادية ومقتضيات حياته الفكرية والأدبية والروحية والدينية. نعم، خدمة كل إنسان أيا كان وكل جماعة بشرية بدون تمييز بسبب الجنس أو القارة. ولهذا فإن النشاط الإقتصادي الموجه طبقا لأساليبه وقوانينه الخاصة يجب أن يمارس في حدود النظام الخلقي، ليتجاوب مع القصد الإلهي بالنسبة للإنسان ".( رقم 64 ). خيرات الأرض لجميع الناس "لقد أعد الله الأرض وكل ما تحتويه لمنفعة جميع الناس وجميع الشعوب، بحيث يجب أن تتدفق كل الخيرات المخلوقة إلى أيدي الجميع، طبقا لقواعد العدالة، المصحوبة حتما بالمحبة، وأيا كانت صور التملك، المطابقة لأنظمة الشعوب الشرعية، والملائمة لظروفها المتباينة المتقلبة. لا يجوز أبدا أن يغرب عن بالنا أن الخيرات معدة للجميع. لذلك ينبغي دائما على الإنسان، حين يستخدم هذه الخيرات، أن يعتبر ما يملكه شرعيا غير خاص به دون غيره، بل مشتركا، أي جديرا بأن يعود بالنفع على الجميع، لا عليه هو وحده. وعلى كل، فإنه يحق لجميع الناس أن يكون لهم نصيب في الخيرات، يكفيهم وأسرهم. وهذا هو رأي آباء الكنيسة وعلمائها، الذين كانوا يعلمون أن الإنسان ملزم بمساعدة الفقراء، على أن لا يساعدهم فقط من فضلات ما عنده. أما من كان في حالة الحاجة القصوى، فله الحق في تحصيل ما هو ضروري له من ثروة الآخرين. وحيال هذا الجمع الغفير من الجياع المنتشرين في أنحاء العالم، يلح المجمع عل الجميع، وعلى ذوي السلطان، ليذكروا قول آباء الكنيسة: "أطعم من يموت جوعا، لأنك أن لم تطعمه قتلته ". وليقسموا خيراتهم، ويحسنوا إستخدامها كل في حدود إمكانياته، موفرين للأفراد وللشعوب، قبل كل شيء، الوسائل التي تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم وتنمية ذواتهم ".( رقم 69 ). "أما توظيف الأموال، فيجب أن يهدف إلى توفير عمل وايراد كاف للشعب العامل اليوم، كما لشعب الغد. وعلى كل الذين يبتون في أمر هذا التوظيف، وفي تنظيم الحياة الإقتصادية أفرادا كانوا أو جماعات أو سلطة عامة، أن يهتموا بهذه الأهداف، ويثبتوا وعيهم لما يقع على عاتقهم من إلتزامات خطيرة في هذا الشأن. فعليهم من جهة، الاستعداد لمواجهة ما يتطلبه العيش الكريم من حاجات، سواء بالنسبة للأفراد أو للجماعة بأسرها، ومن جهة أخرى، استدراك المستقبل وضمان توازن صحيح بين احتياجات الإستهلاك الحالي، الفردي والجماعي، ومقتضيات توظيف المال بالنسبة للجيل المقبل ".( رقم 70 ). وقال: "يدعو المجمع المسيحيين إلى المشاركة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وهما مرتبطان بملكوت المسيح، بحيث لا تكون هذه النشاطات على اختلافها سبيلا لإستغلال الإنسان وزيادة الفقر من جهة والغنى الفاحش من جهة أخرى. "وعلى المسيحيين الذين يعملون في سبيل الإنماء الإقتصادي والإجتماعي، ويناضلون من أجل تحسين أوضاع العدالة والمحبة، أن يوقنوا أنهم يستطيعون بعملهم هذا أن يساهموا مساهمة كبرى في ازدهار البشرية واستتباب السلام في العالم. وعليهم، حين يقومون بهذه النشاطات المختلفة، أن يشعوا على الناس بمثلهم الفردي والجماعي ".( رقم 72 ). كما يعالج المجمع الفاتيكاني الثاني مشكلة الحرب التي هي العدو الأكبر للحياة، وتخلق شتى المشاكل التي تهدد حياة البشر! هكذا الحرب العالمية الثانية قبل 50 سنة التي راح ضحيتها حياة 90 مليون إنسان، عدا عن الويلات التي سببتها في أروبا. وهنا في لبنان لا نزال نعاني من الحرب اللبنانية الكبرى ( 1975- 1992 ). وماذا نقول عن حروب ما يسمى الربيع العربي؟ لقد هدد ويهدد حياة الملايين في عالمنا العربي، ويتسبب في ويلات لا حد ولا عد لها، في العائلات والأفراد والأطفال، وفي أخلاقيات الإنسان والمجتمع، والتواصل الاجتماعي والتضامن، والحياة الأسرية. ولهذا فأن قضية الحرب والسعي لأجل السلام هي من القضايا الأساسية في معالجة الأخلاقيات. وهذه مقاطع تشير إلى الحرب والسلام. الحرب الشاملة "إن التقدم في الأسلحة العلمية يزيد بشكل مفرط بشاعة الحرب وفسادها. وعندما تستخدم الأسلحة الحديثة في العمليات الحربية، فإنها تحدث دمارا بالغا دون تمييز ويتعدى كثيرا في نفس الوقت حدود العمل الدفاعي المشروع. زد على ذلك أنه إذا استعملت الدول الكبرى في سبيل ذلك كل ما اختزن لديها من أدوات الحرب المكدسة، لأدى ذلك إلى إبادة شبه كاملة ومتبادلة، تصيب الأطراف التنازعة بخلاف ما تصيب به العالم من خراب متعدد الأشكال وإفناء شبه كامل مشترك للجانبين، دون ذكر الاحتياجات التي تتبع ذلك عالميا والآثار البغيضة المترتبة على استخدام هذه الأسلحة ".( رقم 80،أ ). " كل ذلك يدفعنا إلى أن نعيد النظر في الحرب بروح جديدة كلية. فليذكر قادة اليوم أن عليهم أن يؤدوا حسابا عسيرا من أجل أعمال الحرب. لأن مجرى العصور القادمة يتوقف إلى حد كبير على ما يتخذونه اليوم من قرارات ".( رقم 80،أ ). " وبناء على ما تقدم، يعلن هذا المجمع المقدس ما يلي، استنادا أيضا لما أصدره الاحبار الاخيرون من تصريحات تشجب الحرب الشاملة ".( رقم 80،ج ). "كل عمل حربي يهدف دون تمييز إلى تدمير مدن بأكملها أو مناطق شاملة بما فيها من سكان، جريمة ضد الله وضد الانسان ذاته، يجب إدانتها بحزم وبلا تردد ".( رقم 80، د). "إن الخطر الخاص بالحرب العصرية، يكمن في انها تهيىء لكل من يمتلك الأسلحة العلمية الأحدث في إرتكاب مثل هذه الجرائم. ويترتب على هذا حتما انها قد تدفع بإرادة الإنسان إلى اتخاذ أفظع القرارات. وحتى لا تتكرر هذه المآسس أبدا، فان أساقفة العالم بأسره مجتمعين وبصوت واحد يناشدون البشر جميعا، ولا سيما رؤساء الدول والسلطات العسكرية، أن يزنوا ويقدروا في كل لحظة مسؤولياتهم الجسيمة أمام الله وأمام الانسانية بأسرها. (رقم 80،ه ). سباق التسلح "لم تكدس الأسلحة العلمية بقصد إستعمالها في زمن الحرب فقط بل من المسلم به، أن القدرة الدفاعية لكل معسكر تتوقف على مقدار ما يستطيع أن يتخذ من رهائن بسرعة خاطفة. وعليه فإن تكديس السلاح الذي يتزايد كل يوم يؤدي بطريق تلقائي إلى تخويف أعداء غير مباشرين. وكثيرون يعتقدون أن هذه طريقة أكثر فعالية لتأمين نوع من السلام اليوم بين الدول".( رقم 81، أ ). "ومهما كان الرأي في قوة الإيهام هذه، لابد من أن نزداد يقينا مع ذلك أن سباق التسلح الذي يلجأ اليه كثير من الدول لا يشكل طريقا أكيدا للاحتفاظ بالسلام حتما. وأن التوازن الناجم عن ذلك لا يعتبر سلاما ثابتا ولا سلاما حقيقيا. فبدلا من مداركة الحروب، نحن نتعرض على نقيض ذلك إلى ازدياد خطرها يوما بعد يوم. إذ بإنفاق ثروات مذهلة على صناعة أسلحة جديدة كل يوم، يصبح مستحيلا القضاء بشكل فعال على بعض المآسى الحالية للعالم. وبدلا من أن نقوم بإحلال السلام الحقيقي والجذري في المشاكل الدولية، نقوم بنقل عدواها إلى مناطق أخرى من العالم. فلا بد إذن من أن نسلك في دروب جديدة تبدأ بإصلاح النفوس لوضع حد لتسابق التسليح وتحرير العالم من القلق الجاثم على صدره وإعادة السلام الحقيقي إليه".( رقم 81،ب ). "ومن أجل ذلك ينبغي أن نعود فنعلن من جديد: أن سباق التسليح جرح خطير جدا في جسم الإنسانية، وهو يصيب الفقراء بشكل غير جائز. ويخشى كثيرا انه لو استمر ذلك فإنه سيولد نكبات مهلكة يسير قدما إليها ".( رقم 81،ج ). وتابع: "والآن وقد تنبهنا إلى الكوارث التي جعلها الجنس البشرى محتملة الوقوع، فلنستفد من المهلة المتاحة لنا والتي منحتنا أياها السماء، لنجد، ونحن أكثر إدراكا لمسؤولياتنا الشخصية، الوسائل الجديرة بمعالجة خلافاتنا بشكل أكرم للانسان. إن العناية الإلهية تطالبنا باستمرار بأن نتخلص من العبودية القديمة للحرب. إننا لا نعرف إلى أين يقودنا الطريق المهلك الذي سرنا فيه لو أننا امتنعنا عن بذل هذا الجهد المطلوب منا ".( رقم 81،د ). تحريم الحرب تحريما مطلقا والعمل الدولي لتجنبها وقال: "من الواضح أننا ينبغي أن نصبو إلى أن نعد بكل جوارحنا هذه اللحظة التي يمكن فيها منع كل حرب على الإطلاق بموافقة إجماعية لكل الدول. وهذا الامر يستوجب دون شك إقامة سلطة عامة عالمية، معترف بها من الجميع، تتمتع بقدرة فعالة، جديرة بأن تكفل للجميع الأمن ورعاية حرمة العدالة وضمان الحقوق. ولكن قبل قيام هذه السلطة العامة المنشودة، يتحتم أن تعكف المجالس الدولية في وقتنا الحاضر وبكل حزم على دراسة أكثر الوسائل قدرة على تحقيق الامن للجميع. وبما أن السلام ينبغي أن يتأسس على الثقة المتبادلة بين الشعوب وألا يفرض على الدول عن طريق التخويف بالسلاح، لذا يجب على الجميع أن يعملوا على وضع حد لسباق التسلح. وإذا شئنا أن يبدأ إنخفاض التسلح فعلا، فلا يمكن أن يكون هذا التصرف من جانب واحد، بل من جميع الأطراف وبنسبة متساوية بموجب اتفاقيات مبرمة بين الجميع ومؤيدة بضمانات حقيقية ومجدية ". ( رقم 82،أ ). وقال: "وإلى أن يتحقق هذا، يجب ألا نقلل من قيمة الجهود التي بذلت ولا تزال تبذل لإبعاد خطر الحرب. بل يجب بالأحرى أن نؤيد النوايا الطيبة للعديد من المثقلين بهموم مناصبهم الكبيرة، والذين يعملون بدافع من وعيهم لمسئولياتهم الجسيمة، على إستبعاد الحرب التي يكرهونها، وإن كانوا لا يستطيعون التهوين من تعقد الأمور في وضعها الراهن. ومن جهة أخرى يجدر الإبتهال إلى الله بإلحاح لكى يمنحهم القوة الكافية ليباشروا بثبات ويواصلوا بعزم هذا العمل المنطوى على محبة عظيمة للجنس البشري، الا وهو تشييد صرح ثابت للسلام. وهذا يتطلب منهم هذه إنفتاح العقل والقلب لتجاوز حدود أوطانهم والتغلب على الأنانية القومية أو رغبة السيطرة على الدول والاحتفاظ بالاحترام العميق للإنسانية جمعاء التي تشق طريقها بصعوبة بالغة لإنماء وحدتها ".( رقم 82،ب ). وأكد انه "من العبث السعي إلى تحقيق السلام، ما دام الشعور بالعداوة والاحتقار وعدم الثقة متوفرا، وما دامت الكراهية العنصرية والانحيازات الفكرية تولد الخصومة والإنقسام بين البشر. ومن هنا تنشأ الحاجة الملحة والقصوى إلى التجدد في تكوين العقليات ومن تغيير حدة اللهجة في الآراء العامة ".( رقم 82،ج ). وقال: "علينا ألا ننخدع بالآمال الكاذبة. فاذا لم نصل، بعد التغلب على الحقد والكراهية،إلى عقد اتفاقات قوية وشريفة تكفل للمستقبل سلاما عالميا، فإن الإنسانية المهددة بأكبر المخاطر، قد تستدرج، رغم ما نملك من علوم مذهلة، إلى تلك الساعة المشؤومة، التي لن تستطيع أن تجد فيها سلاما غير سلام الموت الرهيب ".( رقم 82،د ). دور المسيحيين في التعاون الدولي واعلن ان "على المسيحيين أن يساهموا طوعا وعن طيب خاطر في قيام النظام الدولي الذي ينبغي أن يتأسس على الاحترام الصريح للحريات المشروعة والإخاء الودود بين الجميع. وسيدفعهم إلى القيام بذلك بترحيب كامل كون معظم العالم يتألم ويعاني، لدرجة أن المسح نفسه في شخص الفقراء يطالب ويستصرخ بذل ومحبة كل تلاميذه. فلنتدارك إذن الشك المتأتي من كون بعض الدول التي يلقب سكانها بالمسيحيين يتمتعون بفيض من الخيرات بينما نرى بقية الدول محرومة من ضروريات الحياة وتقاسي الجوع والمرض وكل ألوان الشقاء. إن روح الفقر والمحبة هي فخر كنيسة المسيح وعلامتها المميزة ".( رقم 88،أ ). دور كل مؤمن ودور الكنائس الخاصة وقال: "إن الهدف من هذه الاقتراحات التي صاغها هذا المجمع المقدس وهى مستخلصة من كنوز العقيدة الكنسية، هو مساعدة جميع أبناء هذا العصر، سواء كانوا يؤمنون بالله أو لا يعترفون به صراحة، على أن يدركوا مدى دعوتهم إدراكا واضحا. وعلى أن يجعلوا هذا العالم أكثر تقديرا لكرامة الإنسان السامية، وكذلك على أن يبحثوا عن إخاء يشمل جميع الناس ويقوم على دعائم أوفر عمقا ولمساعدتهم أخيرا على الاستجابة بسخاء لأكثر نداءات هذا العصر الحاحا، وذلك بدافع الحب والجهد المشترك ".( رقم 91،أ ).( إلى هنا المقتطفات من المجمع الفاتيكاني الثاني). غياب الله عن العالم وتساءل: "ما هي غاية كل الاختراعات الحديثة؟ الاستغلال! وهنا الشر وليس الاختراع بذاته. وقال: "مامعنى أن يحمل الرجل بدل المرأة؟ ( 15 ألف رجل حبلوا في انكلترا ). إلى أين؟ لماذا هذه الاختراعات؟ أليس وراءها قصد إبعاد الخالق، ونكران وجود الله؟ أليس هذا هو أيضا أساس نظريةgender ؟ أي أن الإنسان هو الذي يحدد جنسه؟ وهكذا أخرجنا الله من حياتنا؟ وإذ ذاك نصل إلى تبرير كل الشرور والخطايا. التي ما عادت تسمى خطايا، بل هي حاجات الفرد، حسب رؤيته وحاجته. وإذ ذاك فإن استغلال الإنسان لأخيه الإنسان يصبح أمرا مشروعا، والجرائم مشروعة. ونسخت الشريعة ووصايا الله. ووصلنا إلى تجربة الفردوس: تصيران آلهة، تعرفان الشر والخير... أو ما معناه: أنتما تحددان ما هو الشر وما هو الخير، حسب هواكما ومصلحتكما. ولا وازع ولا رادع ولا قانون، ولا شريعة... وإذ ذاك، فالديمقراطية تصبح الاستبداد الأكبر، والدكتاتورية الكبرى الحقيقية. وأصبحت الديمقراطية حكم الأولغرشية ( أو حكم الأقلية المدعو ديموقراطي ). بولس الرسول وأخلاقيات الحياة وتابع: "هذا ما فنده بولس الرسول في رسالته إلى الرومانيين واصفا العالم الوثني الروماني حيث نقرأ:" فإنه قد أعلن غضب الله من السماء على جميع ما يفعله الناس من عصيان وإثم فيحجبون الحق بالإثم. ذلك لأن ما يعرف عن الله واضح بينهم، إذ بينه الله لهم. فإن ما لا يرى من أمور الله، أي قدرته الأزلية وألوهته، ظاهر للعيان منذ خلق العالم، إذ تدركه العقول من خلال المخلوقات. حتى إن الناس باتوا بلا عذر. فمع أنهم عرفوا الله ، لم يمجدوه باعتباره الله ، ولا شكروه، بل انحطوا بتفكيرهم إلى الحماقة وصار قلبهم لغباوته مظلما. وفيما يدعون أنهم حكماء، صاروا جهالا، واستبدلوا بمجد الله الخالد تماثيل لصور الإنسان الفاني والطيور وذوات الأربع والزواحف. لذلك أسلمهم الله ، في شهوات قلوبهم، إلى النجاسة، ليهينوا أجسادهم فيما بينهم. إذ قد استبدلوا بحق الله ما هو باطل، فاتقوا المخلوق وعبدوه بدل الخالق، المبارك إلى الأبد. آمين ! وقال: "لهذا السبب أسلمهم الله إلى الشهوات المخزية. فإن إناثهم تحولن عن استعمال أجسادهن بالطريقة الطبيعية إلى استعمالها بطريقة مخالفة للطبيعة. وكذلك تحول الذكور أيضا عن استعمال الأنثى بالطريقة الطبيعية، والتهبوا شهوة بعضهم لبعض، مرتكبين الفحشاء ذكورا بذكور. فاستحقوا أن ينالوا في أنفسهم الجزاء العادل على ضلالهم .وبما أنهم لم يتخيروا إبقاء الله ضمن معرفتهم، أسلمهم الله إلى ذهن عاطل عن التمييز، دفعهم إلى ممارسة الأمور غير اللائقة. إذ قد امتلأوا من كل إثم وشر وجشع وخبث، وشحنوا حسدا وقتلا وخصاما ومكرا وسوءا. وهم ثرثارون، مغتابون، كارهون لله، شتامون، متكبرون، متفاخرون، مخترعون للشرور، غير طائعين للوالدين. لا فهم عندهم، ولا أمانة، ولا حنان، ولا رحمة. إنهم يعلمون حكم الله العادل: أن الذين يفعلون هذه الأمور يستوجبون الموت. ومع ذلك، لا يمارسونها وحسب، بل يسرون بفاعليه ".( رومانيون18:1 - 32). رسائل البابوات وأشار إلى رسائل البابوات ليوم السلام العالمي، وفيها عناصر رائعة حول الأخلاقيات. وأكتفي بفقرات من رسالة البابا فرنسيس بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي الثاني والأربعين للسلام ( 1/1/2015). وعنوانها " لا عبيد بعد اليوم ". وهي دفاع عن كرامة الإنسان وقيمته تجاه العبودية المعاصرة التي هي من أبشع وسائل استغلال الإنسان، حتى إنه يستعبد الإنسان بطرق عصرية هي فن العبودية الجديدة. وهذه بعض الفقرات في هذه الرسالة: بعض الأسباب العميقة للعبودية "اليوم كما بالأمس يوجد في جذور العبودية مفهوم للشخص البشري يقبل بإمكانية معاملته كغرض ما. عندما تفسد الخطيئة قلب الإنسان وتبعده عن خالقه وعن أقرانه، فلا ينظر إلى هؤلاء ككائنات تتمتع بكرامة متساوية، كإخوة وأخوات في البشرية، بل ينظر إليهم كأغراض. ويحرم الشخص البشري، المخلوق على صورة الله ومثاله، من حريته بواسطة الخداع والإكراه الجسدي أو النفسي، ويتحول إلى سلعة ويختزل إلى ملكية شخص ما، ويعامل كأداة لا كغاية". ( رقم 4). "تساهم إلى جانب هذا العامل الوجودي - نكران إنسانية الآخر - عوامل أخرى في تفسير الأشكال المعاصرة للعبودية. من بين هذه العوامل أفكر قبل كل شيء بالفقر والتقهقر والإقصاء، خصوصا عندما تضاف هذه العوامل إلى الحرمان من التربية، أو إلى واقع مطبوع بقلة أو انعدام فرص العمل. غالبا ما يكون ضحايا الاتجار بالبشر والاستعباد، أشخاص حاولوا البحث عن وسيلة للخروج من أوضاع الفقر المدقع، وصدقوا أحيانا كثيرة وعودا زائفة بفرص العمل، فسقطوا بشرك الشبكات الإجرامية التي تدير عمليات الاتجار بالكائنات البشرية. هذه الشبكات تستخدم ببراعة التكنولوجيات المعلوماتية الحديثة بغية استدراج أشخاص شبان وآخرين يافعين جدا في أنحاء العالم كافة".( رقم 4). "ولا بد من اعتبار فساد الأشخاص المستعدين لكل شيء من أجل الاغتناء من بين الأسباب الكامنة وراء العبودية. إن الاتجار بالكائنات البشرية واستعبادها يتطلبان في الواقع تواطؤا يمر غالبا عبر فساد الوسطاء، وبعض عناصر القوى الأمنية أو لاعبين حكوميين آخرين أو مؤسسات مختلفة، مدنية وعسكرية. هذا ما يحصل عندما يوضع في مركز النظام الاقتصادي الإله المال، لا الإنسان، الشخص البشري. نعم، لا بد أن يوضع في مركز أي نظام اجتماعي أو اقتصادي الشخص، صورة الله، المخلوق كي يكون سيد الكون. عندما يزاح الشخص ليحل مكانه الإله المال يحصل هذا الإرباك في القيم".( رقم 4). "وثمة مسببات أخرى للعبودية هي الصراعات المسلحة والعنف والإجرام والإرهاب. أشخاص كثيرون يخطفون ليباعوا، أو ليجندوا كمقاتلين، أو ليستغلوا جنسيا. بينما يجبر آخرون على الهجرة تاركين كل ممتلكاتهم: الأرض، المنزل، الأملاك، وحتى الأقارب. ويسعى هؤلاء الأشخاص إلى البحث عن بديل لهذه الظروف الرهيبة حتى عندما تهدد كرامتهم وحياتهم، وهكذا يواجهون خطر الدخول في حلقة مفرغة تجعلهم فريسة البؤس والفساد وتبعاتهما المدمرة".( رقم 4).( إلى هنا رسالة البابا). وقال: "هذا ما يحدث في الأعمال الوحشية والبربرية التي تمارسها الفرق والعصابات التكفيرية والجهادية التي تدعي الإسلام، وتسمي ذاتها إسلامية. فهي تفتن لسببين: القتل والتكفير والإرهاب، وبث الرعب، ومحاربة القيم الإنسانية المطلقة. والسبب الثاني أنها تقتل لكي تحصل على أعضاء هذه الضحايا البشرية، وتتاجر بأعضائها. لا بل سمعت أن هناك عصابات تتعمد الدهس وحوادث الطرق للغرض نفسه. فهؤلاء يرتكبون جرما مضاعفا: القتل، والسرقة والمتاجرة بالإنسان، الذي يفقد كل قيمة في نظرهم. ترابط تعليم الكنيسة والقيم الأخلاقية وهكذا نرى الترابط بين تعليم الكنيسة والقيم الإنسانية، في كل الأمور المتعلقة بالحياة وأدبياتها وخلقيتها. وبكل الأمور المتعلقة بالأخلاقيات، ولا سيما بسبب التطور التقني والطبي والنفسي والمخبري.... وفي قضايا مثل الإجهاض، والتجارة الجنسية، والأفلام الإباحية، والمخدرات، والعلاقات الجنسية، والزواج المثلي، والموقف من الجنس عموما، والموت الرحيم... واكد ان الكنيسة تربط مجمل الحياة والخلقيات والأمور المتعلقة بها، تربطها بهذه القيمة المطلقة: بالإنسان، وقيمته وكرامته، وأصله أنه على صورة الله، وأنه مرشح ليعيش حياة أبدية في ملكوت الله في السماوات. وقال: "هذا هو أساس البيوإتيك، وهذا هو أساس التداخل والتواصل بين المدينة الأرضية والمدينة السماوية. بينما فقدان هذا الترابط يوصل الدول والحكومات إلى سن شرائع تخالف الطبيعة البشرية، وليس فقط تعاليم الكنيسة أو أي دين من الأديان. وهذا ما يحدث كما قلت في التشريعات المخالفة للطبيعة، مثلا في الزواج المثلي، وفي الموت الرحيم، وفي الإجهاض. واعلن إن موقف الكنيسة من هذه الأمور هو مؤسس على احترام الإنسان. وكل تجاوز ومخالفة وتصرف يعرض الإنسان ليصبح سلعة، وموضوع تجارة، وغرضا، وشيئا... ويفقده قيمته الإلهية، يصبح إذ ذاك خطيئة وجرما. وقال: "بهذا المعنى أجرؤ أن أقول، انه يمكن أن نبرر تصرفا يقود إلى الإجهاض أو إلى الطفل in vitro وإلى أخذ زرع من إمرأة لإخصاب إمرأة أخرى... وإلى اللجوء إلى الموت الرحيم... وإذ ذاك ربما حسب رأيي الخاص، لا يكون هناك خطيئة.... إذ إن هذه الأمور يكون لها مبرر إنساني حقيقي ... ولكن الشر والخطيئة هي في أن تصبح هذه الأمور تجارة، واستغلالا، وعبودية.... وهذا هو الواقع! وهذا ما يشير إليه قداسة البابا في الرسالة المذكورة، وهذا هو أساس ما ذكرت من مقاطع من دستور "المجمع الفاتيكاني الثاني" وهو أساس تعليم الكنيسة الكاثوليكية. لا بل أقول الكنيسة عموما، ولا بل تعليم الأديان عموما. إذا الخطيئة هي التي تفسد الحياة، وتدمر قيمة الإنسان، وتستعبده... وهذا ما يقوله بولس الرسول" سر الأثم الذي يعمل في العالم". ( تسالونيكي الثانية 7:2 ). وختم: "أنهي بهذه الصلاة من عيد الصعود الإلهي، التي تؤسس لاهوت الجسد، ولاهوت الحياة، ولاهوت كرامة الإنسان الحقيقية:" أيها الإله. جددت بذاتك طبيعة آدم الهابطة إلى أسافل الأرض. وأصعدتها اليوم فوق كل رئاسة وسلطة. لأنك لحبك إياها أجلستها معك. ولتحننك عليها وحدتها بك. ولاتحادك بها تألمت فيها. ولتألمك فيها. وأنت عادم التألم. مجدتها معك.". ( خميس الصعود من قطع الطواف، المجلد الثالث )".

Tripoli Scope - أخبار طرابلس لبنان - Lebanon News Now 24 | تريبولي سكوب - موقع طرابلسي يتفرد بتسليط الضوء على مدينة طرابلس خاصة والشمال ولبنان عامة. طرابلس ، لبنان ، تريبولي سكوب ، أخبار... - Akkar,lebanon,tripoli,tripoliscope,news,scope,north , Lebanon, News, Middle East, Lebanon News, Middle East News, News in Lebanon, Breaking News Lebanon, Lebanese news portal, Politics, Economy, Sports, Entertainment لبنان ٢٤، لبنان، أخبار، الشرق الأوسط، أخبار لبنان، أخبار الشرق الأوسط، خبر عاجل لبنان، سياسة، إقتصاد، رياضة، ثقافة

Back End Admin
 
تواصل معنا
        
خاص بالإعلانات
آخر الأخبار
 

خاص الموقع