السنيورة خلال احتفال جامعة بيروت العربية: لاعادة النظر بالاختصاصات. | رأى رئيس كتلة "المستقبل" النيابية الرئيس فؤاد السنيورة انه "بات من الملح اعادة النظر بالاختصاصات الجامعية السائدة وتشجيع التوجه نحو التخصصات المهنية" سائلا "كيف نحول مؤسسات تعليمنا العالي في عالمنا العربي الى مؤسسات تستحق صفة الجامعة الحديثة". وتابع: "ان الزيادة الهائلة في حجم التعليم العالي لا تقتصر على لبنان وحده، بل تشمل أيضا العالم العربي والعالم عموما، اذ ارتفعت اعداد الطلاب الجامعيين في العالم من 100 مليون في نهايات القرن الماضي الى 220 مليونا هذا العام". كلام السنيورة جاء خلال الاحتفال بنيل جامعة بيروت العربية الاعتماد المؤسس من "FIBAA" وتكريما من الجامعة لأمينها العام عصام حوري بعد خمسين سنة من العطاء، بحضور حشد من الاكاديميين والطلاب ومهتمين. وقال: "سعدت كثيرا يوم أبلغني رئيس جامعة بيروت العربية الدكتور عمرو جلال العدوي وأركان الجامعة، بحصول هذه الجامعة على شهادة الاعتماد المؤسسي من قبل FIBAA وهي إحدى أهم المؤسسات الألمانية في هذا المجال، وعلى شهادات اعتماد لعدد من كلياتها وبرامجها التعليمية من مؤسسات متخصصة في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإيرلندا وكندا، فيما يستمر العمل للحصول على شهادات الاعتماد لباقي البرامج التعليمية التي تقدمها كليات الجامعة. إنها خطوة أساسية لتكريس الجودة في التعليم، وضمان لرفع المستوى بصورة دائمة، والارتقاء بنوعية التعليم الجامعي. وهو الأمر الذي يفترض أنه كان وما يزال وسيبقى الهدف الأول للمؤسسات التعليمية عامة. سعدت كثيرا بما سمعت، لأنه مثل لي في تلك اللحظة من سماعه، بارقة أمل وشعاع من نور، وسط حالة الاضطراب والتردي التي يعيشها عالمنا العربي على المستويات كافة، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ومنها بطبيعة الحال التربوية والتعليمية. وأعادتني تلك اللحظة الى أعوام البدايات التي رافقت تأسيس هذه الجامعة في مرحلة النهوض العربي والاندفاع الشعبي والشبابي الطامح للتعلم طريقا للتغيير والتقدم، والانتقال بالذات والبيئة المحيطة نحو مستقبل يعيد للفرد والمجتمع والدولة المكانة التي يصبون اليها من أجل فكفكة قيود التخلف والتحرر منها وإطلاق طاقة الأجنحة كي تحلق عاليا في سماء مستقبل واعد. يوم تأسست هذه الجامعة على يد نخبة من رجالات الخير في القرن الماضي في جمعية البر والإحسان، كان التعليم الجامعي في لبنان في قسم كبير منه مقتصرا فقط على ابناء النخب الاقتصادية والسياسية، مع انعكاس واضح للتمايزات الطائفية. وحينها لم يكن يتجاوز عدد مؤسسات التعليم العالي في لبنان الأربعة وذلك باستثناء الجامعة اللبنانية، وكانت تلك الجامعات تعود في ملكيتها ومرجعيتها لجهات أجنبية. ذلك مما دفع بالمستبعدين عن التعليم الجامعي، وقد باتوا حينها أعدادا كبيرة، للتحرك مطالبين بحقهم. ويومها كانت الجامعة الرسمية والوطنية اللبنانية في بدايات تشكلها مع تواضع شديد في الاختصاصات والكليات وعدد الطلاب والاساتذة والامكانات والمتطلبات. ولذا لم يكن باستطاعتها أن تفي بالاحتياجات المطلوبة والمتعاظمة. في مثل هذه الأوضاع نشأت جامعة بيروت العربية، بمبادرات أهلية وطنية ودعم مصري عربي، وبأمل أن تلبي بتخصصاتها ومستواها وأساتذتها وتجهيزاتها، طموحات اللبنانيين والعرب من خلال قيام جامعة عربية في قلب بيروت، تجاري وتنافس بجودتها أعرق الجامعات القائمة آنذاك، الفرنسية والأميركية وغيرهما. على أمل أن تعيد هذه الجامعة الجديدة التوازن التربوي والثقافي الذي كان مختلا لجهة على حساب جهة أخرى". واردف: "اليوم، عندما تعلن الجامعة حيازتها شهادة الاعتماد للمؤسسة لبعض كلياتها وبعض برامجها التعليمية، فإن هذا يعني تأكيدها أنها ما تزال أمينة لرسالتها، ولأماني الناس الذين أطلقوها ودعموا مسيرتها. في الستينات من القرن الماضي، أي عشية تأسيس جامعة بيروت العربية، لم يتجاوز حينها عدد طلاب التعليم العالي في لبنان ال10 آلاف طالب، ليرتفع بعد انطلاق جامعتكم الى 15 الفا سنة 1964 موزعين على 12 جامعة وكلية ومعهد جامعي. وليصل اليوم الى ما يزيد عن مائتي ألف طالب يتوزعون على خمس وأربعين مؤسسة للتعليم العالي. اي ان حجم الطلاب الجامعيين في نصف قرن تقريبا تضاعف عشرين مرة، فيما تضاعف عدد المؤسسات الجامعية ست مرات تقريبا. والواقع أن هذه الزيادة الهائلة في حجم التعليم العالي لا تقتصر على لبنان وحده، بل تشمل أيضا العالم العربي والعالم عموما، اذ ارتفعت اعداد الطلاب الجامعيين في العالم من 100 مليون في نهايات القرن الماضي الى 220 مليونا هذا العام، وارتفعت اعداد الجامعات في عالمنا العربي، بالتوازي مع زيادة الطلب لتصل اليوم الى اكثر من 500 جامعة بعد أن كانت تعد بالعشرات. وهي حتما سترتفع في السنوات القادمة، وثمة من يقدر إمكانية أن يكون لدينا حوالى ألف جامعة عربية خلال عقد جديد من الزمن". هذا النمو المتسارع للتعليم العالي في لبنان والعالم العربي، وإن حقق في جانب منه ما يعرف بديموقراطية التعليم اي اعطاء الفرصة لكل راغب في التعليم العالي دون اي اعتبار فئوي او اقتصادي، إلا انه حمل معه جملة من التطورات والتحديات والاستحقاقات والتي من دون مواجهتها ومعالجتها وايجاد الحلول لها، سيفقد اتساع قاعدة التعليم الجامعي وزيادة أعداد المتخرجين جدواه واهدافه. بل سيضيف مشكلات تعليمية واجتماعية واقتصادية كان يفترض به أصلا ان يساهم في علاجها وتجاوزها. لكن ذلك كله، يجب ألا يغيب من أمامنا السؤال الاساسي الذي يجب الإجابة عليه، هو اي جامعات نبني ونريد في المرحلة القادمة. بعبارة أخرى كيف نحول مؤسسات تعليمنا العالي في عالمنا العربي الى مؤسسات تستحق صفة الجامعة الحديثة، بمواصفات وشروط ومتطلبات العصر. وكيف يمكن أن نجعلها تخدم حاجات طلابها ومجتمعها ودولها في التقدم والنمو. كيف لنا أن نكرس جامعاتنا لنجعلها مراكز لإطلاق الطاقات الكامنة المنتجة للابتكار والريادة في مجتمعاتنا. وكيف يمكن أن نجعلها قادرة على الإسهام في تطوير أنظمتنا التعليمية بما يقدر اقتصاداتنا على تشجيع التميز والابتكار والريادة والتفاعل معها. وكيف نقدر مجتمعاتنا ومؤسساتنا على مكافأة الإدارة القيادية القادرة على جعل اقتصادات بلداننا العربية تفوز في سباق التنافس المحتدم في العالم من حولنا". ولفت السنيورة الى انه "اذا نظرنا حولنا في لبنان والعالم العربي، سنجد أمامنا أشكالا وأنواعا من الجامعات: الحكومية منها والتي جاءت لتلبي حاجة وطنية واجتماعية كبيرة. هذه الجامعات ما تزال تستقطب الأعداد الأكبر من الطلاب لمجانيتها، لكن معظمها بقي ضعيف الموارد والإمكانات، وتخضع غالبيتها في مقاييسها والكثير من امورها للتوازنات والاعتبارات السياسية والاجتماعية في بلدانها مما ينعكس سلبا على مستواها وعلى نتائجها ومخرجاتها. هذا الحال يدلنا على مقدار الموارد الواجب توفيرها لهذه الجامعات والجهود الواجب بذلها من تحريرها من التوازنات والاعتبارات السياسية التي تحد من حيويتها وتلجم قدرتها على التطور والتميز والتلاؤم مع حاجات المستقبل. أما الجامعات الخاصة حيث تتفاوت الأهداف والمستويات. فمنها الجامعات الربحية التي ينشئها رجال اعمال ومستثمرون يعملون ضمن منطق السوق المحكوم بقانون العرض والطلب. وهناك الجامعات العريقة التي قامت بفعل مبادرات جمعيات خيرية اهلية او خارجية، الا أن بعضا منها لا يتطور وينمو بما يكفي، لتلبي شروط العصر في التعليم العالي ومخرجاته الجديدة. وللتدليل على ما أذكر، يكفي أن نشير إلى غياب شبه عمومي للجامعات العربية عن المراكز الألف الأولى في كل التصنيفات العالمية للجامعات من أمثال "شانغهاي "و"التايمز" وغيرهما باستثناء بعض الحالات المحدودة. ومهما كانت ملاحظاتنا على المعايير المتبعة في تلك التصنيفات، لكن لا يمكن أن نتجاهل ما يعنيه ذلك الغياب بالنسبة لصورة تعليمنا العالي الخارجية، وواقعنا الجامعي أساسا". وقال: "ان السعي للاجابة عن السؤال المركزي الذي طرحناه، سيكشف لنا واقع التعليم العالي الحالي، وسيظهر التحديات التي يجب علينا أن نواجهها لرفع مستواه والوصول الى النتائج المتوخاة منه. التحدي الاول يتعلق بالانتشار السريع والعشوائي للجامعات. وعليه نحن أمام سؤال ملح وحيوي يقول: هل نبقي الباب مفتوحا أمام كل من يريد ولأي هدف كان في إنشاء جامعة؟ المعضلة هنا، أننا ومع الاتساع الكبير للتعليم ما قبل الجامعي في لبنان والعالم العربي، وسعي هؤلاء الخريجين بل وحقهم في متابعة دراساتهم العليا. وامام عجز الدول وموازناتها عن تلبية تلك الحاجات المادية والأكاديمية، فإنه سيكون من الطبيعي ان يتولى القطاع الخاص جزءا كبيرا من هذه المسؤولية، وهو أمر بات سمة عالمية. انما السؤال أيضا هو عن نوع التعليم الذي تقدمه، ومستوى الشهادات التي تمنحها تلك الجامعات؟ هذا يفرض، مع التسليم بالحاجة الى جامعات جديدة، تحديد شروط ومواصفات إنشاء تلك الجامعات وآليات متابعة عملها، بما يضمن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحصول على مخرجات سليمة. وهذا يتطلب شروطا ومواصفات لا تقتصر على البناء والتجهيزات بل على الإدارة ومستواها، والأساتذة وكفاءاتهم وانتاجهم للابحاث الجديدة والاصيلة والمنشورة في المجلات العلمية المعتبرة، وموازنات البحث العلمي، وآليات التقييم الداخلي والخارجي للمؤسسة ولبرامجها ولمخرجاتها وتلاؤم ذلك كله مع أسواق العمل. التحدي الثاني يتعلق بماذا ندرس في هذه الجامعات، أي ما هي الاختصاصات التي يجب اعتمادها وتبعا لأية اعتبارات وأي مقاييس؟ لنعترف أن جامعاتنا تتشابه وتتماثل تقريبا فيما بينها من حيث الاختصاصات، وتلتحق الأكثرية من طلابها بالاختصاصات النظرية أدبية كانت أم علمية بحتة، فيما تقتصر الاختصاصات المهنية بالغالب على تلك التقليدية من طب وهندسة واقرانهما. والنتيجة ظهور آلاف من الخريجين ومن بينهم حملة درجات الماستر والدكتوراه والذين ينضمون الى سوق البطالة او يمارسون أعمالا من خارج اختصاصاتهم. وضمن هذا المناخ ينشأ ما يسمى ببطالة خريجي الجامعات. هذا وتطرح في هذا السياق أمامنا مسألتان: الأولى الحاجة الماسة الى تنويع اختصاصات جامعاتنا ليس فقط لتلبي الحاجات القائمة لمجتمعاتنا واقتصادنا ودولنا وحاجات اسواق العمل، بل لتستبق مستلزمات تطوير تلك الاسواق وكيفية الإسهام في النهوض بها. والثانية التكيف مع التوجهات الجديدة للاختصاصات في العالم بكونها تعكس حاجات التطور الصناعي والتكنولوجي والإنتاجي والتي سرعان ما ستصل الينا. لنأخذ مثالا على ذلك الثورة الرقمية التي تجتاح العالم منذ اكثر من ربع قرن، والتي دخلت في معظم تفاصيل دورات الانتاج في مختلف الميادين، فاتحة المجال امام مئات المهن الجديدة المتصلة بها. رغم ذلك لم تنشأ في ربوعنا بيئة بحثية ملائمة في هذا المجال، واكتفت معظمها بشهادة متخصصة في الهندسة او البرمجة. اعتقد انه بات من الملح اعادة النظر بالاختصاصات السائدة وتشجيع التوجه نحو التخصصات المهنية. وكم أتمنى أن تكون جامعتكم مبادرة في هذا المجال. وهذا التوجه المهني الجديد لا يبدل من وظيفة الجامعة كمنتج للمعرفة وناقل لها، بل يضيف اليها مهمة ملاءمة المعرفة التي تقدمها لطلابها مع متطلبات خدمة المجتمع وطبيعة حاجاته المستقبلية بالتالي والحد من اتساع بطالة الجامعيين. والتحدي الثالث الذي يواجه التعليم العالي في لبنان والمنطقة، يتمحور حول كيف ندرس، وبالتالي أي أنواع من الخريجين نعد للمستقبل الذي ينتظرنا في الغد؟ إن الحقيقة الواضحة تقول إن جامعاتنا ما تزال في معظمها تعتمد على طرائق تعليم غير تفاعلية، أي أنها أحادية الاتجاه، ترتكز في المقام الأول على نقل المعرفة الى المتلقي، مما يعكس عمليا القصور الكبير في إدراك آليات إنتاج المعرفة، التي من شأنها تمكين الطلاب بشكل فردي وجماعي على إتقان مهارات الإسهام في خلق المعرفة بأنفسهم وتتيح لهم القدرة على الاستمرار بالتطور والتجدد. ومن ذلك أيضا الحض على متابعة التعلم المستمر أو مدى الحياة "من المهد إلى اللحد" ولاسيما عبر نظم التعلم الإلكتروني المفتوح MOOCs "Massive Open Online Courses". واشار الى ان "خطورة الاستمرار في اعتماد أساليب التلقين، تقود شئنا ام ابينا الى استكانة الطالب الى دوره كمتلق للمعرفة من أستاذه، فيما عالم اليوم يؤكد على الطالب الذي تؤرقه وتحفزه عملية البحث عن المعرفة والعامل بقدراته، والتي يساهم أساتذته في صقلها وتطويرها وإقدارها، على خلق المعرفة وإبداعها. وبذلك تصبح مؤسسة التعليم العالي مؤسسة إبداع وتفاعل مستمر، وليست مؤسسة تلقين وارسال باتجاه واحد. نحن بحاجة ماسة الى الجامعة التي تطلق طاقات طلابها في مجالات العلوم والفكر، والى تعزيز قدراتهم على الإسهام المقدر في إنتاجها، وليس مجرد استهلاكها كما يحدث اليوم". أعرف أن الوصول الى جامعة الإبداع والابتكار وإنتاج القيادات يشكل أحد انشغالات مؤسسات التعليم العالي في هذا الكون الفسيح الذي سقطت فيه الكثير من الحواجز والحدود. وأعرف أنه كي يتحقق ذلك لا بد من توفر الامكانات التي تجعل من حرم الجامعة واحة تفاعل مفتوحة على احدث ما توصل اليه العلم. وان هذا يتطلب تجهيزات وامكانات مادية وتربوية قد لا تكون متاحة. لكن، ليس امامنا من خيار سوى تأمين تلك المتطلبات اذا اردنا التقدم لجامعاتنا، واذا ما اردنا ان تكون وظيفتنا أيضا الإنتاج وإنتاج المعرفة، وليس استهلاك ما ينتجه لنا الآخرون. وعلى هذا يتبين حجم المهام التي علينا أن نقوم بها من أجل أن نتقدم على مسارات الردم التدريجي للهوة التي مازالت تزداد اتساعا بين جامعاتنا والجامعات المتقدمة وكذلك بين مجتمعاتنا وتلك المتقدمة في العالم. التحدي الرابع إن التحدي الرابع الذي يواجه تقدم جامعاتنا، هو تأمين الامكانات التي تتيح لها استقطاب الاساتذة اصحاب الكفاءات العليا، وتؤمن حاجات طلابها الى تكوين شخصياتهم عبر بناء معارفهم وتلبي كل متطلباتهم العلمية والبحثية. في هذا المجال يبرز مجددا التحديات التي تواجهها الجامعات الحكومية في توفير المناخات الجاذبة لأصحاب الكفاءات وفي تأمين الاجواء التنافسية القائمة على احترام الجدارة والكفاءة والإنجاز والاستحقاق. أما فيما خص الجامعات الربحية، فإن من الواضح والجلي أن هذه الجامعات، تحقق أرباحا كبيرة من عملها، ولولاها لما كان هذا الطلب الكبير على الاستثمار في هذا القطاع، ولا هذا النمو المتسارع وفي فترات قصيرة لأبنيتها ومنشآتها. اما الجامعات الاهلية الخيرية، وان حافظت على مستوى علمي مقبول الا انها لم تصل بعد الى تحقيق جامعة الابداع والابتكار. فهل الامر عائد فقط الى ضعف الموارد، ام ان الامر يتطلب اعادة نظر بالأولويات والسياسات المتبعة، وتحديد الاهداف المرحلية والمستقبلية والعمل لتحقيقها؟ اما التحدي الخامس للنهوض بالتعليم العالي، فهو في ضمان جودته ومستوى شهاداته. وهذا يبدأ بقانون يعيد تنظيم هذا القطاع، بدءا من شروط الترخيص ومراقبة نوعيته، ومتابعة مدى احترامه لشروط انشائه، ومعاينة صلاحية الشهادات الصادرة عنه بصورة دورية، والزام الجامعات بتخصيص جزء من مواردها للبحث العلمي. وهذا ما سعى اليه قانون التعليم العالي الخاص في لبنان الذي صدر العام الماضي وكانت جامعة بيروت العربية شريكا اساسيا في صياغته، ونأمل ان يتم وضعه موضع التنفيذ قريبا. ان ما قامت به جامعتكم بالحصول على شهادات الاعتماد المؤسسي والبرامجي، بخيارها وارادتها، شرط لا بد منه لضمان استمرار جودة التعليم ومستوى الشهادات التي تمنحها، وهو امر لا بد ان يكون الزاميا لكل مؤسسات قطاع التعليم العالي. الجودة هي مفتاح المستقبل للتعليم العالي. هذا يتطلب ادخال تغييرات جذرية في الاختصاصات والبرامج والمناهج وطرائق اعداد الطلاب. ولهذا كله تداعياته على أسواق العمل كما في مختلف مناحي الحياة. علينا ان نكون جزءا من الثورة التكنولوجية، وليس هناك من مكان في العالم العربي يمكن ان نخاطب به عقولا منفتحة سوى الجامعات بما تضمه من نخب متحققة ونخب في طور التكون. وقال السنيورة: "تلك التحديات - الاستحقاقات التي تواجهنا، وتواجه عملية النهوض بالتعليم العالي، واجهتها من قبلنا العديد من الدول والمجتمعات التي سعت لتأمين التقدم والنمو لمجتمعاتها ودولها ووجدت في الاستثمار في التعليم، الشرط الاول والاساسي للانتقال الى الحداثة والنهوض الاقتصادي والاجتماعي. تقدم لنا دول مثل ماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، اوضح مثال على امكانية الانتقال من حال التخلف الى حال التقدم والازدهار نتيجة الاستثمار في التعليم العام والتعليم العالي والملائم لنهوضها ومشاركتها في عالم العصر وعصر العالم، وهو خاصة مما مكنها مع تشديدها على ثقافة وقيم الإنتاج وأخلاقيات فريق العمل وعلى وجود إدارة عامة واعية ورؤيوية للشأن العام متحررة من الفساد وإرغاماته. وعلى ذلك فقد نجحت هذه البلدان وخلال عقدين من الزمن منذ البدء بخطة النهوض بالتعليم، ان تصبح في مصاف الدول الصناعية الاولى في العالم، وهي قد حققت قفزات واسعة في مجال تطورها ومستويات ونوعية عيش أبنائها. أتذكر في هذه المناسبة ما قاله لي وزير مالية سنغافورة في منتصف التسعينات من القرن الماضي عندما قمت بزيارة رسمية لها، من أنه وفي منتصف الستينات من القرن الماضي، وبتوجيه من رئيس وزراء سنغافورة وباني نهضتها، جرى إرسال بعثة الى لبنان، الذي كان يعيش اوج ازدهاره الاقتصادي والعمراني آنذاك، بهدف التعرف على اسباب النهضة اللبنانية وكيفية الاستفادة من تجاربها ودروسها وكيف يمكن أن تصبح سنغافورة نموذجا للبنان في الشرق الأقصى. أنظروا اليوم، أين أصبحنا نحن وإلى أين وصلوا هم، وكم أضعنا من فرص وما علينا ان نقوم به للبدء بجسر هذه الهوة المتعاظمة. اليوم، بات دورنا ان نذهب اليهم وإلى أمثالهم ونتعلم منهم، ماذا فعلوا وكيف، ليصلوا الى ما وصلوا اليه من تقدم وازدهار، وهم لا يخفون ان ما اوصلهم الى ما باتوا عليه اليوم هو بالدرجة الاولى، التقدم في التعليم الذي يحفز الابداع والمبادرة والابتكار والإدارة الواعية المتحررة من الفساد وقيوده وإرغاماته واحترام النظام ودولة القانون. إنني ادعوكم الى تفعيل اوسع العلاقات الجادة، مع جامعات تلك الدول. لنتعلم منهم ونأخذ عنهم السبل والطرق التي ادت الى نجاح تجربتهم في النهوض بالتعليم العام والجامعي بوجه الخصوص. يبقى أن أشير الى مسألتين أساسيتين: الاولى: ضرورة إعطاء موضوع البحث العلمي الاهتمام الأول والأكبر في المرحلة القادمة من عمل الجامعة. البحث العلمي الجاد والمبدع، والتركيز على اختصاصات علمية مهنية محددة وتوفير كل متطلبات البحث لها، بدءا من الاستاذ الباحث والمتفرغ لابحاثه والقادر على تهيئة طلاب باحثين جددا، وصولا الى انشاء اقسام وكليات بحثية متخصصة في مجالات محددة. والثانية: ضرورة بدء التفكير بطريقة التعليم عن بعد، من خلال الMOOCs وهي طريقة آخذة في الانتشار السريع في الولايات المتحدة الاميركية. صحيح أن لهذه الطريقة في التعليم حسناتها واشكالياتها، فهي تساهم في خفض اكلاف التعليم على المؤسسة والطلاب، وتحل مشكلة الارتفاع الكبير والمتسارع لاعداد الراغبين في التعليم العالي، وتوفر فرص التعلم المستمر للموجودين في سوق العمل والذين يرغبون بمتابعة دراساتهم العليا. لكن ومهما يكن حجم الاشكاليات المتأتية عنها، والقابلة للحل، تبقى انها قد تفرض نفسها كطريقة للتعلم في العقد القادم، خاصة لارتباطها بالثورة الرقمية التي لا تتوقف عن التطور والاتساع. وهذا ما يفرض علينا النظر فيها والتعامل معها". وتابع: "لنقلها بصورة واضحة وبصراحة، ان صورة تعليمنا العالي بمعظمها ليست بخير. وهذا يضعنا امام مسؤولية رفع مستوى التعليم الذي نقدمه بعد ان كنا امام مسؤولية كم التعليم الذي تحتاج اليه بلادنا العربية. لم يعد مقبولا توزيع الشهادات على النحو الذي كان عليه قبل عقود. ليست وظيفة الجامعة ان تخرج المعلمين لمحو أمية المجتمع وتيسير تعليم ابنائه. وظيفة الجامعة اخطر من ذلك. ولعل الوظيفة الأهم في عالم اليوم ان تكون بقدر ما هي جامعة تدريس هي جامعة بحث وإنتاج للعلوم والمعارف. لقد بات البحث العلمي يوازي بل يتفوق على المهمة الأصلية والأقدم للجامعة بما هو تعليم طلابها. ان المنطقة العربية تعاني من ضمور في إنتاجها البحثي. الأرقام التي تظهرها المؤشرات تؤكد على وجود هوة بالغة العمق بيننا وبين سوانا. ويكمن التحدي الحقيقي في ان تتمكن الجامعة من إعداد الطالب الباحث. لم يعد هناك من مجال للقول العلم للعلم، العلم هو مفتاح التقدم ومدخل ذلك هو البحث العلمي. والطريق الى ذلك جودة التعليم والإعداد وتزويد الطالب بالكفاءات والمهارات التي يتطلبها ويفرضها العصر". أضاف: "لقد وضعت أمامكم تحديات كبرى تتطلب الكثير من الطاقات والامكانات المادية والبشرية. لكن ما يدفعني الى ذلك هو تلك الصورة التي أرى هذه المؤسسة عليها اليوم، والصورة التي أحاول أن أبعدها عن ذهني للأمس. بالأمس مرة ومرات عانت جامعة بيروت العربية من القصف والشظايا والانفجارات تخترق مدرجاتها وقاعات التدريس والمكتبة وتروع أهلها. من كان ينظر الى الجامعة آنذاك، كان يسائل نفسه هل تقوم لهذه الجامعة قائمة بعد هذا الخراب الذي احدثته بها تلك الحروب. الآن أرى الجامعة، جامعة بيروت العربية اكبر، اكثر زهاء تضج بألوف الطلاب في أحرامها في بيروت والدبية وطرابلس وغدا في البقاع. مئات الأساتذة من خيرة الكفاءات تندفع نحو القيام بدورها التعليمي والبحثي، وكذلك مئات الإداريين الذين يسيرون شؤونها بسلاسة، في خدمة آلاف الطلاب في مختلف الاختصاصات. صورة الماضي الصعب امامي وصورة الحاضر المشرق أمامي أراها في وجوهكم. أسائل نفسي كيف نهضت هذه الجامعة مثل طائر فينيق من بين الرماد، وأدرك ان مثل هذا النهوض تصنعه إرادات رسل حقيقيين، مؤمنين حق الإيمان بما يقومون به وما يؤدونه من رسالة. عندما تحدثت عن التحديات كانت امامي صورة كل منكم، أنتم من أعاد إعمار هذه المؤسسة، مدركا وموقنا تمام اليقين أن إرادة الانسان لن تنكسر، وان ظلمات موجات التدمير زائلة. هذا ما تعلمناه من مدرسة رفيق الحريري الذي كان يوما أحد طلاب هذه الجامعة العريقة، وهذا ما نتعلمه يوما بعد يوم من هذا التفاني الذي تبذلون كهيئات تدريس وإدارة وطلاب". وختم السنيورة: "أخيرا وليس آخرا، التكريم للجامعة ولكن التكريم أيضا لأحد خريجيها الأوائل وروادها والمشرفين عليها هو الجندي المجهول المعلوم أمين عام الجامعة الأستاذ عصام حوري، الذي منح هذه الجامعة نصف قرن من العمل الدؤوب والجدي والمستمر، مما سمح لهذه السفينة بالتعاون مع إخوانه في مجلس الأمناء وفي أسرة الجامعة أن تصل إلى هذه الريادة المتقدمة. فالتحية والتقدير لشخصك يا عصام والتكريم لك على هذا العمل والانجاز الذي لا يقدر بثمن. وفقكم الله وسدد خطاكم والى المزيد من الإنجازات من أجل الإنسان العربي متطلعا الى الأمام بالتعليم المتطور، والإبداع المستنير، والنظر إلى المستقبل بعيون الأمل والعمل. تحية إلى روح الرئيس جمال عبد الناصر الذي أعاد الروح إلى الحس القومي في هذه الأمة والذي كان السبب والدافع الأساس لإنشاء جامعتكم جامعة بيروت العربية. عشتم، عاشت جامعة بيروت العربية نموذجا متقدما نفتخر ونتمسك به. عاشت جمهورية مصر العربية، عاشت الأمة العربية، وعاش لبنان".

Tripoli Scope - أخبار طرابلس لبنان - Lebanon News Now 24 | تريبولي سكوب - موقع طرابلسي يتفرد بتسليط الضوء على مدينة طرابلس خاصة والشمال ولبنان عامة. طرابلس ، لبنان ، تريبولي سكوب ، أخبار... - Akkar,lebanon,tripoli,tripoliscope,news,scope,north , Lebanon, News, Middle East, Lebanon News, Middle East News, News in Lebanon, Breaking News Lebanon, Lebanese news portal, Politics, Economy, Sports, Entertainment لبنان ٢٤، لبنان، أخبار، الشرق الأوسط، أخبار لبنان، أخبار الشرق الأوسط، خبر عاجل لبنان، سياسة، إقتصاد، رياضة، ثقافة

Back End Admin
 
تواصل معنا
        
خاص بالإعلانات
آخر الأخبار
 

خاص الموقع