اغتيال الحريري محطة تأسيسية للإستقلال الثاني | تشكل بعض المحطات الوطنية مناسبة لإعادة التذكير برمزيتها وأهميتها وتظهير مؤشراتها ودلالاتها، ومن بين تلك المحطات استشهاد الرئيس رفيق الحريري في ١٤ شباط ٢٠٠٥ والذي يحيي لبنان ذكراه الحادية عشرة. أحدث اغتيال الحريري زلزالاً غير مسبوق لبنانياً بتردداته المحلية والخارجية، إذ انه الاغتيال الأول من نوعه الذي يفضي إلى الآتي: أولاً، تنديد دولي واسع بالجريمة الإرهابية، ودعوة إلى محاسبة مرتكبيها ومعاقبتهم. ثانياً، استنفار محلي استثنائي لمواجهة القتلة ودعوة إلى خروج الجيش السوري من لبنان. ثالثاً، تزخيم المعارضة التي وحدت صفوفها على قاعدة وطنية مسيحية – إسلامية، وقد يكون من الاغتيالات النادرة التي تؤدي إلى مزيد من الوحدة لا الشرذمة. رابعاً، قيام محكمة دولية لكشف الحقيقة، وهذه الخطوة هي الأولى من نوعها في العالم العربي، وأهميتها تكمن في إرساء العدالة وعدم الإفلات من العقاب في دول اعتادت على ممارسة الجريمة السياسية كوسيلة للتخلص من الخصوم بعيداً عن أي محاسبة ومساءلة. خامساً، انطلاق دينامية شعبية استثنائية بعناوين وطنية سيادية توجت بتظاهرة مليونية في ١٤ آذار ٢٠٠٥. سادساً، الطرف الذي اغتال الحريري اعتقد انه سيقطع عبر هذا الاغتيال الطريق أمام أي تغيير في المشهد السياسي كان يقوده الحريري، فإذا بهذا الاغتيال يسرِّع هذا التغيير بالشكل الذي يؤدي إلى إخراج الجيش السوري من لبنان. فاغتيال الحريري شكل محطة تأسيسية للاستقلال الثاني ولبنان الجديد الذي توحدت فيه الأهداف المسيحية والإسلامية وقادت إلى إخراج الجيش السوري من لبنان والذي كان يستحيل خروجه لولا هذا التلاقي الوطني الذي أسقط ذريعة النظام السوري بأن خروجه يعيد الاقتتال الداخلي، فيما وجوده كان قوة تحريض طائفية ومذهبية تبريرا لاستمرار تحكمه بلبنان ووصايته عليه. ولكن المفاعيل الوطنية الكبرى لاغتيال الحريري لم تأت من فراغ، بل جاءت في ظل ظروف دولية وإقليمية ومحلية مؤاتية وتكمن في الآتي: ١- على المستوى الدولي: أحداث ١١ أيلول ٢٠٠١ أدت إلى تبديل واشنطن سياستها الخارجية من الانكفاء لشؤون الداخل إلى الاهتمام بملفات الخارج، حيث أعلن الرئيس جورج بوش مواجهة الإرهاب في عقر داره تحت عنوان نشر الديموقراطية وتعميمها، وتزامنت الهجمة “البوشية” على المنطقة مع تقاطع فرنسي مؤيد لسياسات واشنطن في ظل رئاسة جاك شيراك الصديق الشخصي للرئيس رفيق الحريري، والذي كان تذكيراً فقط استاء جدا من إزاحة الحريري عن الحكم في أولى حكومات الرئيس إميل لحود إلى درجة انه كان على استعداد لقطع العلاقات بين باريس وبيروت. ٢- على المستوى الإقليمي: إسقاط نظامي طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق أشعر النظام السوري بان دوره اقترب، خصوصاً مع صدور القرار ١٥٥٩ لاحقاً، الا ان كل الأنظمة في المنطقة تخوفت من “دومينو افيكت” ينسحب عليها، فساد القلق داخل دوائرها، لأن أحدا لم يكن يعلم بحدود الهجمة الأميركية وسقفها. ٣- على المستوى المحلي: فتح الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في أيار من العام ٢٠٠٠ اللعبة السياسية الداخلية على مصراعيها في ظل رفض “لبناني-سوري” أي كلام عن خروج الجيش السوري قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي، وبالتالي شرّع الانسحاب الإسرائيلي المطالبة بالانسحاب السوري، وقد تزامن هذا الانسحاب مع وفاة الرئيس حافظ الأسد في الشهر التالي من العام نفسه وتسلُّم نجله بشار الذي لا تربطه علاقة جيدة بالحريري والنائب وليد جنبلاط، وكان حاول منذ استلامه الملف اللبناني في العام ١٩٩٨ ان يعوِّم الفريق الأمني على حساب الفريق السياسي وان يدجِّن الثنائي الحريري – جنبلاط حتى لا يحصل أي تلاقٍ بينهما مع الحالة المسيحية الرافضة أصلاً للسيطرة السورية على لبنان. وفي الوقت الذي نجحت فيه انتخابات العام ٢٠٠٠ بكسر جزئي للحظر السياسي السوري، فك البطريرك مار نصرالله بطرس صفير “عقدة الألسن” من خلال نداء مجلس المطارنة الأيلولي الذي فتح الباب أمام بيانات من الوزن نفسه في التوقيت ذاته، غير ان هذا البيان الأول الذي دعا إلى خروج الجيش السوري وندد بالنظام الأمني شكل دينامية سياسية محلية غير مسبوقة أفضت إلى تشكيل لقاء “قرنة شهوان” في أول تجمع سياسي معلن تتبناه بكركي رسمياً عبر إيفادها المطران يوسف بشارة لترؤس اجتماعاته، ومن ثم زيارة البطريرك لجبل لبنان الجنوبي في مصالحة تاريخية ورسالة جنبلاطية إلى السوريين بان خياراته المحلية مفتوحة، ونشوء معارضات أخرى تقاطعت مع “القرنة” وصولا إلى اجتماعات “البريستول” التي كانت تضم ممثلين عن جنبلاط والحريري تحضيرا لانتخابات العام ٢٠٠٥ بغية الفوز بالأكثرية النيابية لجعل مركز القرار في بيروت وليس في دمشق. وما يجدر التوقف عنده في كل هذا المشهد المحلي ان “القوات اللبنانية” شكلت العصب الفعلي للمعارضة المسيحية التي كانت تفتقد إلى الحضور الشعبي الذي وفرته “القوات”، وهيأت بنضالها منذ اعتقال الدكتور سمير جعجع الظروف المحلية لولادة المعارضة، ولعبت دوراً أساسياً إلى جانب البطريرك الماروني في حثه على قيادة المعركة الاستقلالية والذي حول بكركي إلى مركز ثقل المعارضة في مواجهة دمشق، وبالتالي يستحيل الكلام عن لحظة استقلالية في العام ٢٠٠٥ من دون التذكير بانطلاقتها الفعلية من زنزانة وزارة الدفاع التي شكلت أول موقف استقلالي رافض للأمر الواقع، وولّدت اندفاعة قواتية نحو كسر قيود السجن الصغير-الكبير. فاغتيال الرئيس الحريري جاء في ظل كل هذه العوامل الدولية والإقليمية والمحلية مجتمعة، أي في وضع متحرك جداً، وكاسر للجمود، وبالتالي أدى عصف الاغتيال إلى دفع الأمور قدما نحو التغيير الجذري. وما يجدر التذكير به والتوقف عنده ان الرئيس الحريري نجح، على رغم الوصاية السورية، في تحويل لبنان إلى محط اهتمام المجتمعين الدولي والعربي، الأمر الذي أزعج نظام الوصاية و”حزب الله” الذي كان يريد ان يبقى لبنان هامشياً وثانوياً استبعاداً لأي اهتمام بالبعد السيادي، وبالتالي دور الحريري أعاد الاعتبار للدور اللبناني والاهتمام الدولي بلبنان، ومهد أيضاً لولادة الاستقلال الثاني الذي لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب دويلة “حزب الله”. ويبقى أن الشهيد الحريري كان المساهم الأبرز في قيادة أكبر تحوّل في مزاج الطائفة السنية نحو اللبننة، الأمر الذي تفجّر في انتفاضة الاستقلال، وساهم في تثبيت ركائز البنيان اللبناني. فلكل ما تقدم من اعتبارات وأسباب، فإن مناسبة استشهاد الحريري عدا عن كونها محطة وطنية تأسيسية للاستقلال الثاني، تبقى جامعة لكل مكونات ١٤ آذار بما يتجاوز كل التباينات الرئاسية وغيرها. فالثابت هو ما أنجزه الحريري في حياته واستشهاده، والمتحول هو التباينات التي سرعان ما ستتبدد على صخرة الحرية والسيادة والاستقلال.

Tripoli Scope - أخبار طرابلس لبنان - Lebanon News Now 24 | تريبولي سكوب - موقع طرابلسي يتفرد بتسليط الضوء على مدينة طرابلس خاصة والشمال ولبنان عامة. طرابلس ، لبنان ، تريبولي سكوب ، أخبار... - Akkar,lebanon,tripoli,tripoliscope,news,scope,north , Lebanon, News, Middle East, Lebanon News, Middle East News, News in Lebanon, Breaking News Lebanon, Lebanese news portal, Politics, Economy, Sports, Entertainment لبنان ٢٤، لبنان، أخبار، الشرق الأوسط، أخبار لبنان، أخبار الشرق الأوسط، خبر عاجل لبنان، سياسة، إقتصاد، رياضة، ثقافة

Back End Admin
 
تواصل معنا
        
خاص بالإعلانات
آخر الأخبار
 

خاص الموقع