لم تتوقف عملية التغيير | كتب سليمان تقي الدين في السفير أن تكون مع التغيير ليس يعني أي تغيير، ولا بالضبط مع المشهد الراهن في مصر وسوريا وتونس وليبيا واليمن أو أي مكان آخر.  لم يستأذن التغيير أحداً من المراقبين أو المعلقين أو أصحاب الرأي، بل هو نتاج موضوعي لظروف معقدة انفجرت خارج التوقعات، وقامت به قوى وجماعات، وحراك شعبي لم يعد يطيق الأوضاع السائدة. في أصل الحدث التناقض العميق بين قطاعات واسعة من الجمهور وسلطات سياسية كابحة لطموحاته وتطلعاته.  وفي طبيعة القوى حركات كوّنت نفسها تحت أجنحة الأنظمة واغتذت من الثقافة السياسية الراكدة ومن وقائع التهميش والشعور بالاغتراب. لم يكن الاستبداد مجرد احتكار للسلطة والاستئثار بها وبمنافعها، بل ان الاستبداد حاصر المجتمع وفرض  عليه قيوداً للتطور واستهدف أول ما استهدف التماسك الاجتماعي والتطور والتقدم وثقافة الانفتاح. احتكر الاستبداد العنف وأخضعه وطرده إلى داخل الحياة الاجتماعية من دون أن يفكك عناصره. صار العنف سمة رئيسية من ثقافة الكبت والإقصاء ومن سياسات البدائل التي شوّهتها الأنظمة واستخدمتها كجزء من مبرّرات وجودها.  لم يعرف تاريخ العرب الحديث خصوبة في الفكر السياسي الدستوري، ولم تشغل العرب قضايا العقد الوطني أو العقد الاجتماعي، ولم ينتجوا فكراً لتنظيم الدول، بعد أن صادرت النخب «القومية» الحياة السياسية. كانت هناك مشتركات بين الفكر السياسي الإسلامي التقليدي(السلطوي)وبين الفكر السياسي القومي الذي يرى الاجتماع السياسي قائماً على ثنائية «الجماعة» و«الامامة»، وحدة الجماعة ووحدانية الامامة.  استورد العرب الكثير من ثقافة الغرب وأفكاره ومؤسساته، ولكنهم أدرجوا ذلك تحت مظلة التراث الإسلامي والقومي. فلا الجمهوريات ولا البرلمانات ولا الأحزاب ولا القوانين ولا الدساتير لها المعنى ذاته من حيث هي عناوين «الحداثة» المرتكزة إلى فاعلية الجمهور وحريته وحقوقه. كانت تلك المسميات منحة تُعطى مشروطة لإضفاء شرعية على سلطات قامت جميعها على فعل الغصب وعلى شيء من الشعبوية المرتبطة بمواجهة الاستعمار و«القوى التقليدية».  ما من حزب عربي في الماضي والحاضر توافرت فيه شروط الاختيار والحرية أو صار جزءاً من أدوات التغيير، أو قوة جاذبة فاعلة بوصفه مشروعاً أو رؤية. عاشت الأحزاب في أحضان السلطة وجاءت إليها إما بعصبية أو بانقلاب واستقالت من دورها في الصراع السياسي وقطعاً بالمنافسة الديموقراطية. وليس عبثاً أن يكون الإسلام السياسي هو المخزون شبه الوحيد الذي صار مادة التجييش والتأطير والتحزّب والفاعلية.  تصدّر الإسلام السياسي واجهة الثورات العربية وتصدّر نتائج الانتخابات. الانتخابات وحدها ليست الديموقراطية، والأكثريات السياسية التي تنشأ عن ظرف استثنائي انتقالي ومن خلال المناورات والمساومات والدعم الخارجي، لا تعطي شرعية كاملة لأي فريق كي يعيد صياغة الدولة والمجتمع بمفرده وباستقلال عن شركائه في الوطن. يستطيع طرف سياسي أن يأخذ السلطة ولكنه لا يستطيع أن يبرّر ديموقراطياً الاستيلاء على الدولة. الدولة ودستورها وأنظمتها ومؤسساتها وقوانينها وكل ما له علاقة بالمجال العام وبكل مصالح الشعب عامة أمور لا تخضع لميزان اللحظة السياسية. كان العرب في جميع بلدانهم بحاجة إلى عقد وطني واجتماعي جديد، إلى نظام دستوري يؤكد على أن الدولة هي الهيئة المعنوية المعبّرة عن كامل هوية المجتمع والحارسة لمصالحه والراعية لمكوناتها والقادرة على استيعاب النزاعات السياسية في مؤسساتها وتداول السلطة فيها بالطرق السلمية.  كانت الثورات العربية ثمرة جهود واسعة من أطياف الشعب كافة ومن قواه الحية واتجاهاته الثقافية والسياسية. لم نكن أمام انقلاب فوقي ينتهي إلى منحة دستورية أو إلى تجديد صيغة الحزب الحاكم. لا شرعية ديموقراطية لأي دستور لا ينتج من حوار وطني واسع وعميق يأخذ في الاعتبار أن حقوق المواطنة لا يفرضها طرف انطلاقاً من عقيدته الخاصة. ما يقوم به الإسلاميون في مصادرة حق الناس جميعهم في المشاركة والتعاقد الحر على دولة المستقبل ستكون له ارتدادات على مناحي الحياة الوطنية في عدم الاستقرار وفي عدم الشرعية، بل ان الإسلاميين بما يطرحونه من قواعد للدساتير العربية يشكل ارتداداً على كل الإرث المدني التقدمي وكل ما صار ثقافة جماعية مكتسبة ساعدت على إنتاج حالة التغيير وكانت في أساس قيامها.  في الواقع، إن الخشية ليست من قدرة الإسلاميين على توطيد سلطتهم، بل الخشية من إقحام البلدان العربية في نزاعات وحروب وفوضى جراء محاولات فرض أنظمة شمولية جديدة باسم الدين تنتهي إلى مصادرة الحرية والارتداد على الديموقراطية.  لقد باشر الإسلاميون مشروعهم هذا بالتخلي أصلاً عن القيم والمبادئ والشعارات التي أنتجت التغيير، وهي الحرية والكرامة والعدالة والديموقراطية والتنمية…إلخ. لكن اختطاف السلطة لم يستقر، ومصادرة الثورة لم تكتمل في ظل حيوية الشارع وحضوره واستعداده لمقاومة هذا السعي. على كل حال، ما يحتاجه العرب هو هذا الجدل الفكري والسياسي، شرط أن لا ينزلق إلى العنف. فالإسلاميون لا يملكون فعلاً تصوراً لشروط بناء الدولة الحديثة انطلاقاً من ثقافتهم التاريخية. أما الآخرون فهم كذلك لم يبلوروا ثقافة مستقلة وتجارب في صياغة برامج متكاملة ولم ينشئوا أحزاباً لديها هذه الرؤية. الثورات العربية فيها الكثير من التجريبية والكثير من العفوية، وهي اليوم أمام تحديات إنتاج مشروع العرب لإدارة اجتماعهم السياسي. إنه مخاض من أبرز احتياجاته إغناء ثقافته السياسية.

Tripoli Scope - أخبار طرابلس لبنان - Lebanon News Now 24 | تريبولي سكوب - موقع طرابلسي يتفرد بتسليط الضوء على مدينة طرابلس خاصة والشمال ولبنان عامة. طرابلس ، لبنان ، تريبولي سكوب ، أخبار... - Akkar,lebanon,tripoli,tripoliscope,news,scope,north , Lebanon, News, Middle East, Lebanon News, Middle East News, News in Lebanon, Breaking News Lebanon, Lebanese news portal, Politics, Economy, Sports, Entertainment لبنان ٢٤، لبنان، أخبار، الشرق الأوسط، أخبار لبنان، أخبار الشرق الأوسط، خبر عاجل لبنان، سياسة، إقتصاد، رياضة، ثقافة

Back End Admin
 
تواصل معنا
        
خاص بالإعلانات
آخر الأخبار
 

خاص الموقع