رندة الشهال (1953-2008): الروح المتمردة | لم يمتزج فن أحد بحياته، كما هو حال رندة الشهال، المخرجة الطرابلسية التي جسدت أفكارها ومعتقداتها من وراء الشاشة الفضية، فكانت المخرجة الثائرة، أو لنقل، الثائرة المخرجة، فالثورة والتمرد عندها يسبقان أي شيء آخر. أخرجت أفلاماً جريئة من غير ابتذال، وحملت اسم لبنان وطرابلس إلى محافل السينما العالمية بحق. تعالوا لنتعرف على رندة الشهال، الإنسانة والفنانة. ومن المهم الإشارة إلى أن بين حياة الشهال وأفلامها صلة لا تنقطع. كأنها تستمد منها أدوات الحياة فتقاوم مثل“سهى”وتواجه مثل“لميا”. هكذا عاشت سنواتها الأخيرة مع المرض ليس في صراع انما في تحدٍّ ومبارزة.  بطاقة تعريف: هي من مواليد طرابلس، 1953، لعائلة ذات توجهات شيوعية:فأمها مسيحية عراقية كانت من اولى النساء الشيوعيات في العالم العربي الى كونها كاتبة ومذيعة أخبار وأب طبيب وسياسي ومثقف.   كانت رندة الشهال مخرجة جريئة انجزت افلاما حميمية ملتزمة وبرعت في الوثائقي أكثر منه في الروائي وظلت يسارية بعد أن ارتد الكثيرون عن قناعاتهم في لبنان وظلت طموحة متمردة.  ظلت العائلة بالنسبة الى الشهال السند الانساني والفكري والسياسي حتى اذا قررت ابنة التسعة عشر ربيعاً السفر الى فرنسا لدراسة السينما في العام 1972 وجدت الدعم الكامل من والدها خصوصاً. هنا، ظهرميل وشغف الشهال إلى عالم السينما منذ صغرها. درست الإخراج في باريس التي جاءتها عام 1973 في السوربون. وفي معهد لويس لوميير انجزت عددا من الافلام الوثائقية كان اولها“خطوة بخطوة”عام 1997 الذي تناول الحرب والتدخل الخارجي في لبنان. ثم قدمت عددا من الاعمال الوثائقية وفيلم تلفزيوني عرضته قناة“آرتي”الفرنسية. وبنفس الحقبة، انجزت رندة الشهال أحد أهم افلامها الوثائقية وهو“حروبنا الطائشة”الذي صورت فيه الحرب الاهلية اللبنانية من خلال افراد عائلتها ومسؤوليتهم وعلاقتهم بهذه الحرب في مزيج غير معهود بين العام والخاص. ونال هذا الفيلم عام 1995 جائزة الفيلم الوثائقي في بيانالي السينما العربية في باريس. وفي عام 1984 انجزت فيلما وثائقيا عن الشيخ امام. وفي عام 2000 صورت حياة سهى بشارة المحررة من معتقل الخيام. وصورت فيديو كليب للمغنية التونسية لطيفة لأغنية“معلومات مش اكيدة”التي كتب كلماتها ووضع موسيقاها الفنان زياد الرحباني كما تعاونت معه لوضع الموسيقى التصويرية لفيلمها“طائرة من ورق”. وتوفيت في باريس حيث تقيم منذ 25 عاما في 25 أغسطس 2008 بعد صراع مع المرض ودفنت في مسقط رأسها مدينة طرابلس اللبنانية. قدر الالتزام لم تختر الشهال أن تدخل إلى المعترك السياسي، بل على العكس، فالسياسة كانت قدراً بالنسبة اليها. على حيطان المنزل كُتبت شعارات من نوع“يا عمال العالم اتحدوا”وشعرت العائلة بمسؤوليتها تجاه كل حالة ظلم في العالم.“حرب فييتنام عشناها في بيتنا”كما تقول.. حتى الببغاء الذي اقتنته العائلة كان يردد“لينين لينين”. كل شيء سياسي في عرف رنده الشهال. المواقف والخيارات والافكار والوعي.. وهي ان لم تشأ التصاق صفة السياسية بها لم تستطع ان تنكر انها مقاومة ومشاكسة. المقاومة فعل حياة بالدرجة الاولى والمشاكسة أسلوب عيش وسلوك. تشابكت المراحل في حياتها. كل مرحلة كانت خاتمة وبداية في آنٍ معاً. فما كادت تحط الرحال حتى تبدأ التحضير لرحلة جديدة أومعركة جديدة. هي كما تقول جيدة في المواجهات وصعبة في المهادنات وقد واجهت حتى آخر قطرة حياة وذلك هو الانتصار. البدايات السينمائية:على وقع الحرب لم يكن مفاجئاً بهذا المعنى أن تشغل عائلة الشهال الاستثنائية كما تصفها الخمس عشرة سنة المقبلة من حياتها اذ شكلت محور أكثر أفلامها خصوصية وذاتية“حروبنا الطائشة”. خرج“حروبنا الطائشة”فيلماً وثائقياً ذاتياً قائماً على محاوراتها مع والدتها فيكتوريا وأختها نهلة وشقيقها تميم وغارقاً في مشاهد الحرب التي أرشفتها على مدى سنوات طويلة. شريط يوثق لمرحلة كاملة من الحرب الأهلية ويعيد المخرجة من منفاها الفرنسي لتواجه الماضي من مسافات زمنية عدة ومن موقع المساءلة والادانة. انه رحلة تنطوي على محاولة لفهم هويتها وهوية لبنان الممزقة ابان الحرب. شكلت الحرب الاهلية بالنسبة الى جيل رنده الشهال مفصلاً تاريخياً. في شكلها الاول والبدائي، كانت الحرب تطبيقاً للتنظير السياسي اليساري قبل أن تتحول امتحاناً صعباً لكل الافكار اليسارية والقضايا العادلة التي آمنت المخرجة وأقرانها بها. وعلى المستوى الشخصي، كانت الحرب الهاجس الجديد لابنة البيت السياسي والهم الداخلي الموازي للقضايا الخارجية الكبرى. فانتقلت خلالها من عادة كتابة السناريوات الى تصوير اليومي والمعيش. كمعظم ابناء جيلها من السينمائيين، وجدت الشهال ان شغفها برواية قصة في السينما امر غير ممكن مع اندلاع الحرب. فنسمعها تقول“بسبب اسرائيل والحروب، أصبح عالمنا العربي كناية عن مجتمعات وليس أفرادا”، وتتذكر كيف انها لم تتمكن من سماع الموسيقى اثناء الحرب لأنها كانت في حالة تيقظ دائمة. لقد أجبرت الحرب السينمائيين على إخبار قصتها فقط على حساب هواجسهم الخاصة والفردية. هكذا وجدت نفسها في العام 1976 تصور اول لقطة سينمائية لشاب مسلح على مدخل مبنى أحد الاحزاب السياسية اللبنانية. تراكمت صور الحرب اليومية في أرشيف المخرجة فخرج منها في العام 1979 فيلمها الاول الوثائقي“خطوة خطوة”الذي يصور تناحر التيارات السياسية على أرض لبنان. لم يكن“خطوة خطوة”فيلماً فنياً بقدر ما كان فيلماً سياسياً حزبياً يعبر عن موقف نضالي ملتزم أنتجته مؤسسة السينما الفلسطينية. تحت هدير الدبابات الصهيونية المحطة التالية الحاسمة في مسيرة الشهال الحياتية والسينمائية كانت الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982. فعلى الرغم من سنوات الحرب العشر التي سبقت الاجتياح، لم تفقد الامل بإمكانية التغيير. الا ان خبر اجتياح اسرائيل لجنوب لبنان كان بمثابة انكسار لما تبقى من الحلم والبراءة ومشروع التغيير. ابتداء من العام 1982، دخلت رنده الشهال مرحلة جديدة تتسم بالغموض. ابتعدت من الحياة والسينما كأنها كانت تعيد ترتيب حياتها وأفكارها. توقفت عن توثيق الحرب ربما مستسلمة لشغفها بالسينما الروائية التي ستكون سمة المرحلة المقبلة. بدت وكأنها تنهي حكايتها مع الوثائقي الذي أُجبرت على صنعه في ظل سنوات الحرب وتعد العدة للمرحلة التالية وعنوانها المواجهة. ولكن مهما يكن من تحليلات، لم تبرح ذاكرة الحرب أفلامها المقبلة التي تحفل بتفاصيل تتكرر كأنها تستقر في ولاعيها كما هو مشهد الفتاة الراكضة في فيلمي“متحضرات”و”طيارة من ورق”. استقرت رنده الشهال في فرنسا منذ اوائل الثمانينات من دون أن تنقطع عن زيارة لبنان إما لتصوير أفلامها أو لرؤية الاهل والاصدقاء. في فرنسا، عثرت على تمويل أفلامها ولكنها ظلت الشخصية المشاكسة التي تصنع أفلاماً مثيرة للجدل ويشبهها كثيرون بشرطي السير المتيقظ للرد على كل موقف يطال العرب. بعد فترة انقطاع دامت نحو خمس سنوات، شرعت رنده الشهال بكتابة فيلمها الروائي الاول“شاشات الرمل”في العام 1986. خرج الشريط سنة 1991. كان بعيداً من الحرب التي طبعت أفلامها الاولى وأقرب الى تسجيل التحولات الداخلية للشهال المرأة التي عرفت معنى التحولات بدايةً بسقوط الحرب كمشروع تغييري ووصولاً الى انتقالها الى باريس المنفى الاختياري. جاء“شاشات الرمل”فيلماً عن ثلاث شخصيات في بلد صحراوي غير محدد، يصور علاقة امرأتين ورجل في ظل السلطتين الدينية والسياسية. أفلام ما بعد الحرب لم يجد فيلم الشهال التالي“الكفار”عام 1997 مساحة للعرض او للنقاش. كان فيلماً يلامس المحرمات بحسب العقلية السائدة ويعالج موضوعاً شائكاً هو التطرف الديني. ليس بعيداً من لبنان غرست المخرجة شخصيات فيلمها:فريد الاسلامي المتطرف الذي قرر البوح بمعلومات عن متطرفين في فرنسا مقابل اطلاق سراح صديقه المسجون هناك وتشارلز الدبلوماسي الفرنسي. ولكن الصفقة تتعقد عندما ينجذب الرجلان واحدهما الى الآخر. الى الحرب الأهلية عادت رنده الشهال من جديد في فيلمها الروائي الثالث“متحضرات”عام 1999 كما هي حال سينمائيين كثر آثروا أخذ مسافة من الحدث ليتمكنوا من قراءته بروية. عادت الى الثمانينات لتروي فصلاً هامشياً أبطاله الخدم الذين تركهم مستخدموهم في البيوت قبل أن يفروا الى جهة آمنة. كأن المخرجة كانت قد انتهت من تصوير الحرب بعناوينها العريضة فقررت الغوص على التفاصيل الموجعة وأولها المشهد الافتتاحي العنيف لمسلحين يفجرون القطط طلباً للتسلية والمتعة. كان“متحضرات”فيلماً عن الحرب بلغة الحرب. الشتائم كانت اساس الحوارات والعنف الجسدي واللفظي محور المشاهد. فيلم يدين الجميع ويعلن مسؤولية كل اللبنانيين عن الحرب. أثار الشريط ردود فعل عارمة ومنعت الرقابة عرضه إلا بحذف نحو خمسين دقيقة منه. كانت المواجهة الأعنف التي خاضتها الشهال وكلفتها عدم عرض الفيلم على الجمهور اللبناني والعربي حتى اليوم. بعد إعصار“متحضرات”ومشكلاته مع الرقابة، لاح مشروع وثائقي جديد في الأفق أعاد الشهال الى موقعها اليساري.“سهى”كان فيلمها التالي عام 2001 وان كانت تصر على انه جاء ليس من التزام وانما من افتتان بشخصية استثنائية هي سهى بشارة. ابنة العشرين ربيعاً تلك التي أطلقت رصاصتها في صدر أنطوان لحد قائد جيش لبنان الجنوبي المتعامل مع اسرائيل، شكلت بسجنها ومن ثم اطلاق سراحها بعد عشر سنوات مادة لفيلم وثائقي حواري يحاول التقرب من عقلية المقاتلة في سبيل قضية تؤمن بها. حدث ما كان دائماً يستوقف رنده الشهال ويدفعها الى كتابة سيناريو حوله. هكذا خرج فيلمها الروائي الرابع“طيارة من ورق”العام 2003 من مشهد تلفزيوني لفتاة في الجولان المحتل تعبر بفستان زفافها الى الجانب الآخر الاسرائيلي لتتزوج من ابن عمها. بدا المشهد ملائماً للخوض في نقاش حول موضوعات الهوية والحدود والاحتلال. فكان“طيارة من ورق”فيلماً عن واقع جغرافي مجزأ وخيارات الفرد الضئيلة في مواجهة الاحتلال وانما اصراره على تخطي الحدود. تدور أحداث الفيلم حول المراهقة“لميا”التي يُعقد مصيرها على الزواج من ابن عمها المقيم في الجزء المحتل من القرية الحدودية. تعبر الفتاة الى عالم جديد ولكنها تتمرد على الزواج التقليدي المدبر وتقع في حب شاب عربي انما مجند في الجيش الاسرائيلي. نال“طيارة من ورق”جائزتي لجنة التحكيم الخاصة والاسد الفضة في مهرجان البندقية وحقق للشهال ما يشبه المصالحة مع الجمهور المحلي والصحافة والجهات الرسمية التي أدانت فيلمها السابق“متحضرات”بينما كرمتها بعيد فوز“طيارة من ورق”. خلال السنوات الخمس الأخيرة، عاشت الشهال تجربتين مريرتين:المرض وحرب تموز 2006 التي تصفها بالنكسة الثانية في حياتها بعد اجتياح 1982. على الرغم من ذلك، لم تتوقف عن العمل فكانت تحضر منذ العام 2005 لفيلم في عنوان“لسوء حظهم”مع المغنية هيفاء وهبي ولكن تعثر الحصول على تمويل له من جهة ودخولها في نفق المرض من جهة ثانية منعا انطلاق العمل عليه. قالوا عنها: قال عنها دولة الرئيس تمام سلام حين كان وزيراً الثقافة:إنطفأت كاميرا رندة الشهال، ونال المرض العضال من هذه السينمائية اللبنانية الجريئة، وانتقلت إلى رحمة الله، تاركة إرثاً قيّماً من الأفلام التي وصلت إلى المهرجانات العالمية وباتت محور النقاشات الفنية والسياسية في العالم العربي والعالم. النائب بهية الحريري وقالت النائب بهية الحريري في تكريم الشهال، عام 2003:“المخرجة رندة الشهال خلاقة ومبدعة وفعل نهضة وعلامة تميز.. نحتفل بها ونلتف حولها ونتماهى فيها حساً وابداعاً لنصبح وإياها واحداً في تحدياتنا وإيماننا بهويتنا وثقافتنا وقدرتنا على أخذ مكاننا الطبيعي بين الشعوب والثقافات. وان ما قامت به انما هو واجب عليها وما نقوم به هو واجب علينا ليصبح لنا معاً حقوقاً على أوطاننا وأمتنا.” وتبقى كلمات التكريم والرثاء عاجزة عن إيفاء ابنة طرابلس حقها، وهي التي حملت قضاياها وقضايا الأمة والإنسانية إلى الشاشات، وعرَّت زيف التعصب والمتستر باسم الدين والوطنية بأفلامها الهادفة، والتي لم يرَ منها المتزمتون إلا قشورها، ولكن التاريخ لا بد سينصفها، وستقول الأجيال اللاحقة:”من هنا مرت فنانة من أرض الفيحاء، مدينة العلم والعلماء…والعظماء”.

Tripoli Scope - أخبار طرابلس لبنان - Lebanon News Now 24 | تريبولي سكوب - موقع طرابلسي يتفرد بتسليط الضوء على مدينة طرابلس خاصة والشمال ولبنان عامة. طرابلس ، لبنان ، تريبولي سكوب ، أخبار... - Akkar,lebanon,tripoli,tripoliscope,news,scope,north , Lebanon, News, Middle East, Lebanon News, Middle East News, News in Lebanon, Breaking News Lebanon, Lebanese news portal, Politics, Economy, Sports, Entertainment لبنان ٢٤، لبنان، أخبار، الشرق الأوسط، أخبار لبنان، أخبار الشرق الأوسط، خبر عاجل لبنان، سياسة، إقتصاد، رياضة، ثقافة

Back End Admin
 
تواصل معنا
        
خاص بالإعلانات
آخر الأخبار
 

خاص الموقع