الحوار الإسلامي ـ المسيحي في وثيقة الإرشاد الرسولي | كتب محمد السماك في“المستقبل”: يتطلب الحديث عن وثيقة الارشاد الرسولي التي وقـّعها البابا بنديكتوس السادس عشر في أيلول الماضي في بيروت. وعن دور هذه الوثيقة في العلاقات الاسلامية المسيحية، التذكير بأمر أساسي وهو أن توقيت هذه المناسبة يتلازم مع الذكرى الخمسين لإعلان مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني في 8 كانون الأول 1965(بدأ المجمع في 11 تشرين الأول 1962). لقد قال المجمع في مقرراته: ”تنظر الكنيسة بتقدير الى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد، الحي القيوم، الرحمن القدير، الذي خلق السماء والأرض، وكلّم الناس. إنهم يسعون بكل نفوسهم الى التسليم بأحكام الله، وإن خفيت مقاصده، كما سلّم لله ابراهيم الذي يفخر الدين الإسلامي بالانتساب اليه. وأنهم، على كونهم لا يعترفون بيسوع إلهاً، إلا أنهم يكرمونه نبياً، ويكرمون أمه العذراء مريم، مبتهلين اليها أحياناً بإمان. ثم أنهم ينتظرون يوم الدين الذي يجازي الله فيه جميع الناس بعدما يبعثهم أحياء. من أجل هذا يقدرون الحياة الأبدية، ويعبدون الله بالصلاة والصدقة والصوم خصوصاً“. جددت وثيقة الارشاد الرسولي التأكيد على هذه الثوابت الإيمانية التي أرساها المجمع الثاني، كما ورد في الفقرة 23–صفحة 19 من الوثيقة. وهذا التجديد يعني اسلامياً الشيء الكثير. ذلك ان من تجلياته أن كلاً من البابا بولس السادس في خطاب له ألقاه في اوغندة، والبابا يوحنا بولس الثاني في خطابين له ألقاهما في كل من الفلبين والمغرب، وصف المسلمين بأنهم أخوة. صحيح ان المسلمين والمسيحيين يتبادلون مشاعر هذه الأخوة ويعيشونها في لبنان خاصة وفي الشرق عامة، حتى قبل مجمع الفاتيكان الثاني، الا ان المجمع أكد عليها لاهوتياً، بحيث تجاوزت الأخوة الوطنية وحتى العائلية الى الأخوة في الله وفي الإيمان بالله. ولأن هذه الأخوة ليست مجرد شعار، لا بد لها من أن تتجسد في الحياة العامة، ولا بد من أن تترجم في السلوك الفردي والجماعي. من هنا نفهم تأكيد الارشاد الرسولي(الفقرة 25 ص 20)على حق المسيحيين وواجبهم في الوقت ذاته، على“المشاركة التامة في حياة الوطن من خلال العمل على بناء أوطانهم”,وعلى أنه“ينبغي أن يتمتعوا بمواطنة كاملة لا أن يعاملوا كمواطنين، أو مؤمنين من درجة ثانية“. وهذا كلام صحيح لأنه لا يمكن الجمع بين الأخوة واللامساواة. وأود أن أردد هنا ما قلته أمام السينودس من أجل مسيحيي الشرق الأوسط الذي عقد في الفاتيكان برئاسة البابا عام 2010، من أن“هناك سلبيتين تطرحان المشكلة التي يواجهها مسيحيو الشرق: سلبية عدم احترام حقوق المواطنة في المساواة الكاملة أمام القانون في بعض الدول. وسلبية عدم فهم روح التعاليم الاسلامية الخاصة بالعلاقة مع المسيحيين الذين وصفهم القرآن الكريم بأنهم“أقرب مودة للذين آمنوا”، والذي أي القرآن الكريم-برّر هذه المودة بقوله“ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وانهم لا يستكبرون”. “والسلبيتان، سلبية عدم المساواة في المواطنة وسلبية عدم احترام التعاليم الدينية، بكل ما تحملانه من مضامين فكرية وسياسية سلبية وبكل ما تفرزانه من مواقف عقدية واجرائية، وما تتسببان به من أعمال مقلقة ومسيئة، تلحقان الأذى بنا جميعاً، مسيحيين ومسلمين، وتسيئان إلينا جميعاً في حياتنا المشتركة وفي مصيرنا الواحد، وفي أخوتنا الوطنية والإيمانية“. لذلك لا بد من العمل على تحويل السلبيتين الى إيجابيتين. أولاً من خلال الحوار، وقد دعت وثيقة الارشاد الرسولي الى الحوار كما سبق أن دعت اليه أيضاً وثيقة الارشاد رجاء جديد للبنان التي أعلنها البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني.  ثانياً من خلال تسفيه ثقافة الغلو والتطرف باعتبارها ثقافة إلغائية للآخر المختلف، ومناقضة للإرادة الإلهية في أن نكون مختلفين، ولكن متعارفين. هنا تطرح وثيقة الارشاد أمرين أساسيين لا بد من التوقف أمامهما بتأمل عميق: الأمر الأول هو التسامح الديني، والامر الثاني هو الحرية الدينية. في الكلمة التي ألقاها البابا بنديكتوس السادس عشر في القصر الجمهوري في بعبدا لم يبدِ افتناناً بالتسامح. بل انه أبدى حذراً منه عندما أشار الى ان التسامح لا يؤدي بالضرورة الى منع التطرف، بل ربما يساعد عليه. وهذه نظرية فلسفية عميقة وصحيحة. فالتسامح كما يقول الفيلسوف الألماني نيتشه هو إهانة للآخر، من خلال فوقية المتسامِح تجاه المتسامَح معه. والعلاقة بين الأديان وخاصة بين الاسلام والمسيحية ليست علاقة تسامحية، بل هي علاقة إيمانية. لأن المسلم لا يكون مسلماً إذا لم يؤمن بالمسيحية رسالة من عند الله. وبالتالي فان علاقة المسلمين بالمسيحيين تقوم على الإيمان وليس على التسامح. الإيمان يحقق الأخوة. والتسامح يصنع الدونية.  من هنا المدخل الى الأمر الثاني، وهو احترام الحرية الدينية التي وصفها الارشاد الرسولي بـ”تاج كل الحريات”. فالإيمان الاسلامي بالمسيحية وباليهودية يشكل القاعدة التي تقوم عليها ثقافة احترام الحقوق المقدسة غير القابلة للتفاوض، كالحرية الدينية. لقد استوقفتني الاشارة في الارشاد الرسولي الى أن الحرية الدينية تشمل في الوقت ذاته الصعيدين الفردي والجماعي(الفقرة 26 ص 20). وهذا يعني الدعوة الى احترام ليس فقط حرية الفرد في الإيمان وفي ممارسة شعائر الإيمان، ولكنها تشمل احترام حريات الجماعات أيضاً. وهو ما تشكو من قلّته أو من القيود المفروضة عليه، جماعات مسيحية في بعض مشرقنا العربي.  ويتناقض هذا الواقع المرير والمرفوض ليس فقط مع حقوق المواطنة، ولكنه يتناقض أيضاً، وقبل ذلك مع الحقوق الإيمانية التي أقرتها الشريعة الاسلامية لأهل الكتاب من المسيحيين واليهود والتي تلخَص بقاعدة:لهم ما لنا وعليهم ما علينا. أي المساواة في الحقوق والواجبات. من هنا نفهم دعوة الارشاد الرسولي الى الانتقال من التسامح الديني الى الحرية الدينية. وهو ما أكدت عليه أيضاً وثيقة الأزهر الشريف حول الحريات العامة. وفي الأساس، وكما جاء في الارشاد الرسولي(الفقرة 27 ص 22)“فان الحقيقة ليست ملكاً لأحد”. وفي حوارنا الوطني الاسلامي المسيحي، وهو حوار حياة وعيش مشترك، نلتزم دائماً بتعريف للحوار بأنه“فن البحث عن الحقيقة في وجهة نظر الآخر”. وهذا يعني الانطلاق في الحوار من الإقرار بعدم امتلاك الحقيقة، وان الحقيقة-أو جانباً منها على الأقل-قد تكون في رأي الآخر. والآخر لا يكون آخر إلا إذا كان مختلفاً. ولذلك ففي الاختلاف وليس في الخلاف-قد ينبثق شعاع من نور الحقيقة التي نسعى اليها ونبحث عنها. وهو ما يفرض احترام الآخر لأنه قد يكون على صواب. واحترام رأيه المختلف لأن في رأيه قد تكون الحقيقة. في الفقرة 28 ص 22 تطالبنا وثيقة الارشاد الرسولي بأمرين جوهريين: الأول هو أن نثبت“أن العيش معاً ليس أمراً مثالياً”. بل هو أمر طبيعي ينبثق من صميم إيماننا وثقافتنا. فالعيش المشترك ليس قدراً لا قدرة لنا على ردّه أو عن إيجاد بديل عنه، ولكنه خيار. نحن نتمسك به، نعيشه ونفاخر بصيغته، بل وبصياغته، ليس لأن واقعنا يفرض علينا ذلك، ولكن لأننا نؤمن به على قاعدة الاحترام والمحبة رسالة انسانية لكل مجتمع متعدد. أما الأمر الثاني الذي تطالبنا به وثيقة الارشاد الرسولي فهو أن نثبت“ان انعدام الثقة والأحكام المسبقة ليست أمراً حتمياً”. ان الأمر الحتمي هو بناء الثقة. والثقة تبنى على التفاهم المتبادل وليس على الأحكام المسبقة. يقوم صرح التفاهم على أنقاض الصور النمطية والأحكام المسبقة. ومن هنا، مرة أخرى، أهمية الحوار الاسلامي المسيحي. فهو حوار حياة يومية ينطلق من ثوابت إيمانية اسلامية ومسيحية، في مقدمتها احترام الكرامة الانسانية. فالاسلام يعتبر ان الكرامة الانسانية هبة إلهية لكل انسان بصرف النظر عن دينه، وحتى عن إيمانه أو عدم إيمانه. وهي تتمثل في الاستخلاف الإلهي للانسان في الأرض وتسخير ما في الكون له وفي تفضيله حتى على الملائكة. والمسيحية كما يقول الارشاد الرسولي في الفقرة 25 صفحة 20-“وبفضل يسوع، فان المسيحيين حساسون تجاه كرامة الشخص البشري والحرية الدينية الناجمة عنها”. وهكذا وضعنا الارشاد الرسولي-مسلمين ومسيحيين–أمام التحدي المشترك. وهو ما لا نستطيع مواجهته الا بالعمل معاً.. والمدخل الى العمل معاً هو التفاهم. والمدخل الى التفاهم هو الحوار. ومن هنا نبدأ.

Tripoli Scope - أخبار طرابلس لبنان - Lebanon News Now 24 | تريبولي سكوب - موقع طرابلسي يتفرد بتسليط الضوء على مدينة طرابلس خاصة والشمال ولبنان عامة. طرابلس ، لبنان ، تريبولي سكوب ، أخبار... - Akkar,lebanon,tripoli,tripoliscope,news,scope,north , Lebanon, News, Middle East, Lebanon News, Middle East News, News in Lebanon, Breaking News Lebanon, Lebanese news portal, Politics, Economy, Sports, Entertainment لبنان ٢٤، لبنان، أخبار، الشرق الأوسط، أخبار لبنان، أخبار الشرق الأوسط، خبر عاجل لبنان، سياسة، إقتصاد، رياضة، ثقافة

Back End Admin
 
تواصل معنا
        
خاص بالإعلانات
آخر الأخبار
 

خاص الموقع