مصر.. والعودة إلى الذات | كتب المفتي الشيخ طه الصابونجي في“لواء الفيحاء والشمال”: ما هذا الذي يجري في شوارع وميادين وساحات مصر؟ وما وراء هذه المهرجانات الصاخبة والسمجة والمتنقلة من مكان إلى آخر ومن موضوع الى آخر ومن حزب إلى آخر؟ وهل كانت مصر في أي يوم مجال للفوضى والصعلكة والإسفاف؟ وهل نسيت مصر عظمتها وعظمة قادتها وعديد عباقرتها وسامق مبدعيها وصنّاع حضارتها الذين رفعوا قدرها بين الأمم وشاركوا في نهضة أمتها وفي شرف الدفاع عن الدول المجاورة لها في القديم وفي الحديث؟ إن مسحة من الذهول تصيب الأمة كلها مما تصاب به مصر حاليا من إرباك ونزاع حتى بلغ الأمر تحذير أولي الأمر من حرب أهلية وأين؟ في مصر واحة الأمن والسكينة وأرض الخير والخضرة ومجتلى السلام والإيمان. أليس الأوْلى ألف مرة أن تلغي مصر هيجة ثورتها وأن تطوي تصارع أعلامها وأن تخرس الأفواه المتشدقة بالتغيير والتطوير من أن تتعرض لساعة واحدة من الحرب الأهلية التي تفسخ وحدتها وتقضي على كل مواريثها وتلغي كل مستقبلات آمالها وتحقق أطماع المتآمرين عليها من ذئاب المتربصين بها ومن المرتقبين لعجزها حتى يسهل السطو عليها وعلى مسيرتها الدينية التي حافظت على رشادها طوال قرون مضت وصدت عنها إختراق المنافقين والمارقين. قد يظن ظانّ ماكر أن مصر كانت حبيسة غار عميق الغور وشديد الظلمة أمضت فيه أعوام عديدة فنسيت ذاتها وأنكرت وجودها ثم إنهدم الغار فجأة فإندفعت جماهيرها مغشية عليها وبهرت الأنوار عيون أبنائها فكان صراع محموم وصدام محتوم وضياع يوشك أن يلحق مصر في غياهب المجهول ثم إنقطع الوعي وتاهت الطريق عن المقصد القاصد. وقد جهل من ظن هذا الظن أو توهّم هذا العيّ فمصر أكبر من أن تزلزلها أزمات ومشكلات وتحديات وهي أعظم من أن تمسها الطوارئ بما ينسيها ذاتها لأن لها من عمق أصالتها ومن ثبات أركانها ومن مخزون قيمها ومن بصائر إدراكها ومن مضاء عزيمتها ما يعصمها عن السقوط في مجاهل الفوضى وما يصد عنها تيارات العبث والهوان وما يعيد إليها دوما أمجاد تألقها وما يصونها من الوقوع في أحضان أعدائها وما يزيل عنها كل غاشية لتستأنف دورها الحضاري القوي فلا تهزها العواصف ولا ترهقها الملمات ولا يعدوا أي تآمر على وحدتها. مصر قد إستطاعت أن تقضي على طغيان المتألهين والجبارين وتحرر أرضها من الغزاة والطامعين وأن تتصدى لكل من أطبق على قيادتها وعاث فيها الفساد ونشر التخلف فمضت مراحل ودول شديدة البأس والعدوان عليها ثم زال الباطل ومضى الزيف وبقيت مصر بشعبها وبقيَمها وبكرامتها. ألم يبدأ عهد العزة والحرية منذ القضاء على الفرعونية الجائرة فإنتهى جبروت الفرعون الذي طغى وقال أنا ربكم الأعلى وما أريكم إلا ما أرى وإستخف قومه فأطاعوه ثم أصبح ذكرى للأعتبار ولمصير كل جبار. ألم ترتفع الكرامة والحرية إلى أعلى ذراها بعبقرية العظيم عمر إبن الخطاب الذي صرخ في وجه محرر مصر عمرو إبن العاص حين زلت قدم ولده بخطأ صبياني فقال له عمر قولته الخالدة:يا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، فكان هذا القول ميراث مصر وعنوان عنفوانها ودليل حضارتها ومؤل تقدمها نحو كل تحرير وتطوير وإصلاح؟ فمصر واثقة الخطى في طريق الصحوة وفي تجدد الإنبعاث وفي تثبيت المجد العمري بوعي وإقتدار دون غلواء أو إستكبار. ولكن هل يستقيم الأمر في ما هو جار من عبث وأهواء ومن تفلت من ضوابط الإستقامة الثورية ومن جنوح في ممارسة الحرية الشخصية والعامة ومن إغفال لأحكام العقل ولوازم الروية وهل من الحق ومن الوعي أن تكون الشوارع ساحات للفصل في القضايا الكبرى وأن تكون الميادين للصراخ والصدام لتقرير مصير الشعب وتحديد مسير المستقبل؟ وهل من مفهومات الثورة أن يكون صوت النزاع وضجيج الصخب مستند الدعم الحزبي ومقرر الموقف القانوني والديني فأين هم قادة الفكر ودهاقنة السياسة وعمالقة القانون وصفوة أولي الأمر الذين تفخر بهم مصر ليقولوا كلمتهم الصادعة والحاسمة وليزيحوا من الشوارع الرعونة والحنق ويضع الأمور في نصابها الحق ويعيد للثورة معناها ومبتناها ولمصر بهائها وصفائها؟ وهل من الثورة أن يدعي الثورة جاهل أو متحامل وأن ينطق بإسم الثوار أي مدّعي أو متحايل؟ وهل من الحرية أن تلغى المسؤولية الضميرية والتنظيمية فلا يرى المحتشدون إلا ما يراه لهم القابعون ورائهم الذين يستلبون حريتهم ويحوّلون الرأي الحر إلى تحريض فاجر وإلى غرائزية مهتاجة وإلى تبعية تعدوا على التبصر وعلى القدرة في إختيار الرأي السليم والموقف القويم؟ أليس من المنكر أن يتقدم مشوّه فكريا إلى شاشة التلفزيون فيصرخ مؤيد لحزبه وللمعتقد الذي ألقي إليه ويوهم الحشود بأنه ينطق بإسم الدين وبالمتحدثين عنه وبأنه يقول الكلمة الأخيرة في الدفاع عن الدين، ومتى كان الدين سلطة الغوغاء والرأي الفطير ومتى كان للمنتسبين للدين الهوى الشخصي في تحديد مفهوم الدين وإختيار أموره فيصبح الأمر مستباح لكل من شاء التحدث بالدين وبقضاياه العليا وبنفي ما لا يفهمه ولا يفقهه ولا تهواه نوازعه؟ أليس من المنكر أن يتقدم صعلوك أبتر ومن حوله الألوف ليعلن على شاشات التلفزة تسفيهه للديموقراطية وسخطه على القضاء وإتهامه لسواه بالجهل وبالغباء أو يقف قميء آخر فيدافع بجهل وحنق عن الديمقراطية التي لم تصل الى ثقافته وفكره وكل من حوله يصفقون له ويزعقون تأييد لمزاعمه فترتج الأرض سخطا على هذه الفوضى وإستنكارا لأغراض المحرضين وإستخفافا بالإمعة الصارخين. إن مصر مطالبة بالعودة الى ذاتها وبالعودة الى مجدها الحضاري والى عظمة عظمائها السياسيين والدينيين والقانونيين والإبداعيين فمصر خزان العظماء والنوابغ والعلماء المبدعين الذين لهم في العالم الواسع مقام رفيع والذين نالوا أعظم الجوائز العالمية فيما أنتجوا وإكتشفو وأبدعو ومصر ينبوع لا ينبض من رجالها المبدعين والمتفوّقين فمتى يتقدم هؤلاء وينزاح الجهل والعبث وتعود الشوارع لأهلها العاملين والمنتجين وليعود سلطان الحق والوعي والروية لدور مصر الأصيل وللثورة التي يتشدق الغافلون عنها أمل التجدد وصوابية الهدف المنشود وأذكّر إخواني بقول الله تعالى(إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم)والتفسح لا يقتصر على التوسع لجليس قرب آخر بل بتفسيح القلوب لتسع الجميع وتفسيح المناصب لتكون للجميع وتفسيح التواضع ليكون رحمة للجميع والتفسح بالعطاء ليشمل القريب والبعيد وتنمحي الرغبة بالإستئثار والتسلط والإحتكار ليكون مفهوم حكم الشعب الحكم لخدمة الشعب لا لإستغلاله والتسلط عليه وحرمانه من حقوقه. وكلمة اليوم، ما قاله العلماء الثقات:إن أعظم مصالح المسلمين حقن الدماء وتسكين الدهماء. والويل كل الويل أن تسترخص الدماء أو يتحكم الدهماء لأن منهم شرر الشر وفيهم شرار الخلق.

Tripoli Scope - أخبار طرابلس لبنان - Lebanon News Now 24 | تريبولي سكوب - موقع طرابلسي يتفرد بتسليط الضوء على مدينة طرابلس خاصة والشمال ولبنان عامة. طرابلس ، لبنان ، تريبولي سكوب ، أخبار... - Akkar,lebanon,tripoli,tripoliscope,news,scope,north , Lebanon, News, Middle East, Lebanon News, Middle East News, News in Lebanon, Breaking News Lebanon, Lebanese news portal, Politics, Economy, Sports, Entertainment لبنان ٢٤، لبنان، أخبار، الشرق الأوسط، أخبار لبنان، أخبار الشرق الأوسط، خبر عاجل لبنان، سياسة، إقتصاد، رياضة، ثقافة

Back End Admin
 
تواصل معنا
        
خاص بالإعلانات
آخر الأخبار
 

خاص الموقع