الثورة الثالثة ضد الاستبداد الديني | كتب الفضل شلق في“السفير”: وقع الإخوان المسلمون وحلفاؤهم في فخ نصبوه هم لأنفسهم، فخ أفكارهم وإيديولوجيتهم، ومعتقدهم السياسي. أدى بهم الأمر إلى الاعتقاد بمسؤوليتهم عن الدين. تفرض عليهم هذه المسؤولية الموهومة الاعتبار أنهم هم وحدهم الذين يعرفون الشريعة وهم وحدهم الذين يعرفون أمر الله والشريعة التي أوصى بها. يضعهم هذا كله في موضع من يعتبر وهماً أنه أكثر فهماً لإرادة الله. فهم يمثلونها أقرب إلى الله من بقية البشر فهم يهدونهم. لكن الأخطر هو اعتبارهم المشروع الديني أولوياً على المشروع السياسي ـ الاقتصادي ـ الاجتماعي، وأن ما تحتاجه السلطة، التي يتربعون على عرشها الآن هو مشروع ديني وليس مشروعاً دنيوياً.  اعتبروا أن لدى الناس(العامة)نقصاً في دينهم، وبذلك يترتب على الإخوان المسلمين وحلفائهم إكمال الدين بالهداية، وغيرها، وتناسوا أن الدين أُكمل في خطبة الوداع التي ألقاها النبي محمد(اليوم أكملت لكم دينكم)، وأن أساس الدين هو النص المؤسس؛ وما عدا ذلك من سنة وقياس وإجماع هي وسائل لفهم الدين لا لإكماله. لا أحد يُكمل الدين. الدين يؤخذ كما هو؛ ومن نطق بالشهادتين فهو مسلم، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، أو يزيد وينقص فوق نطق الشهادتين؛ وبالتالي فلا تكفير للمسلمين. حتى مرتكب الكبيرة، هو في منزلة بين منزلتين.  خلال العامين، بعد الثورة، أدخل الإخوان المسلمون الناس في دوامة تطبيق الشريعة وإدخالها في الدستور؛ وزادوا التطرف تطرفاً بأن طالب حلفاؤهم بإدخال تطبيق الأحكام في الدستور برغم اختلاف الأئمة في أحكامهم وفي أصول الأحكام. ما فعله الإخوان المسلمون وحلفاؤهم ـ كما قال الإمام مالك بن أنس للخليفة العباسي الذي أراد تعميم كتابه «الموطأ» وتطبيقه على جميع المسلمين، فأجابه، اترك المسلمين وشأنهم، فهم يعيشون في أصقاع مختلفة، ولهم ظروف مختلفة.  كل ذلك هو لأن الإخوان المسلمين وحلفاءهم لا يملكون أكثر من مشروع ديني من دون مشروع سياسي. الأرجح أن مشروعهم الديني خاطئ في الأسس والأساليب التطبيقية(لكن هذا شأنهم)، إضافة إلى أنه ليس للمسلمين حاجة إلى مشروع ديني. الناس مسلمون ويكفيهم ذلك. ما يحتاجه الناس هو مشروع دنيوي، مشروع يبحث في أمور الأمة السياسية؛ وحدتها والدفاع عنها؛ وفي أمور الأمة الاجتماعية، خفض الفروق الطبقية وإعطاء كل ذي حق حقه؛ وفي أمور اقتصادية، رفع مستوى إنتاج الزراعة والصناعة والخدمات والبنى التحتية؛ وفي أمور دفاعية في أن تكون الأمة قوية بالاعتماد على ذاتها؛ وحدوية باتجاهها العربي، إنسانية بتبنيها المفاهيم الإنسانية فيما يتعلق بحقوق الإنسان والمواطنة.  لم يفهم الإخوان المسلمون وحلفاؤهم شعبهم. هم اعتبروا الشعب بحاجة إلى مشروع ديني لا إلى مشروع دنيوي. تناسوا أن الضعيف إذا افتقد الدنيا يفتقد الآخرة؛ فالحساب في الآخرة هو على الحياة الدنيا، وأفعال الدنيا هي ما يقرر حساب الآخرة. حساب للضعفاء، المغلوبين على أمرهم، أما الأقوياء فهم الذين يحاسبون على أفعالهم. والأمة القوية تتشكل من مواطنين أقوياء؛ أقوياء بسبب سعيهم وإنتاجهم والتزامهم، أقوياء بسبب حماستهم وشهامتهم ومروءتهم. ما قدم الإخوان المسلمون مشروعاً للدنيا؛ لإنشاء مجتمع قوي متماسك قادر على مواجهة العالم، علماً بأن إسرائيل على الحدود، وهي تمعن في إذلال العرب المسلمين وغير المسلمين.  يقدم الإخوان المسلمون، في السلطة، برنامجاً دينياً لا يشابه النموذج العثماني إلا في تحالفهم مع العسكر؛ لكنه يشبه النموذج الإيراني إلا في وضعهم المرشد فوق القانون والدستور، والمرشد يحكم من خلال الرئيس المنتخب. المرشد عندهم تختاره قيادة سرية، تعمل بشكل سري. ولذلك يقال إنهم تنظيم سري وعالمي. ولذلك نخشى مما يخطط في الظلام. لكن الأتراك والإيرانيين لدى كل منهما دولة قومية قوية، تعرف كيف تتعامل مع الدين لمصلحة قوميتها. الإخوان المسلمون يتعاملون مع السماء مباشرة بدولة ضعيفة. لم يقدموا مشروعاً دنيوياً لأن مثل هذا المشروع يحتاج إلى حوار علني، وهم ما اعتادوا إلا على السرية، ويخشون الحوارات العلنية. الظلامية تتيح لهم التواطؤ مع الجهات الخارجية. خاصة ما عُلم عن أجهزة تنصت على حدود مصر، وهو الأمر الذي ما كان يُقبل به حتى في حكم مبارك. ويتيح لهم التواطؤ في تبني الليبرالية الجديدة لمصلحة الأغنياء في الداخل، وتبني وصفة صندوق النقد الدولي على الصعيد العالمي، وبذلك تصير مصر مجرد تابع للإمبراطورية تأتمر بأوامرها.  خاض الإخوان المسلمون خلال العامين الماضيين صراع الدستور وتطبيق الشريعة(وأحكامها)كي لا يدخلوا في الصراع حول البرنامج الداخلي الاجتماعي ـ السياسي. البرنامج الديني يقسم ويبرر الدخول في صفقات مع الجهات الخارجية. أما المشروع السياسي الداخلي فهو ما يوحّد ويضيف إلى الوحدة عوامل القوة الإنتاجية على جميع الصعد.  ظن الإخوان المسلمون أنهم أولياء أمر الشريعة، فما ينطقون به هو الأمر الإلهي. استعلوا على الشعب وفقدت الانتخابات شرعيتها، برغم أن الرئيس محمد مرسي رئيس منتخب(بغض النظر عن أسلوب الانتخابات).. استعلوا على الشعب فلم يعودوا يفهمون الشعب؛ لا يفهمون ما يريده الشعب. ليست لهم القدرة على الإحساس بالنبض الشعبي. يعجزون عن ذلك. عجزهم الفكري أدى بهم إلى مواجهة ميدان التحرير، ميدان الشرعية. تعالوا على الشعب فهتف الشعب:«يسقط يسقط حكم المرشد».  يريد الإخوان السيطرة على الدستور من خلال الشريعة، والسيطرة على الإرادة الإلهية من خلال الشريعة. يريدون الآخرة قبل الدنيا. لا يدرون أن الآخرة تصنعها الدنيا. المرء في الآخرة يحاسَب على ما فعل في الدنيا. لكن الدنيا تهمهم بمقدار ما تذهب خيراتها إلى بضعة مستثمرين. منذ أن جاؤوا إلى السلطة اعتمدوا البرنامج الاقتصادي القديم بالاعتماد على الاستثمارات. أي على الخارج. لم يقدموا برنامجاً لمجتمع يمكن ويجب أن يعتمد على نفسه. وهو البرنامج الذي يتيح للمجتمع أن يفخر بنفسه وأن يستعيد حاضره ويصنع مستقبله. أرادوا الإبقاء على تسوّل الاستثمارات والمساعدات. والأمران تعبيران مختلفان عن شيء واحد هو التسول.  قضى الإخوان المسلمون عقوداً طويلة في المعارضة، وبعضهم في السجون. لكنهم كانوا معارضة للنظام من داخل النظام، خاضوا معه معركة للسيطرة ليس من أجل تغيير النظام. لكن من أجل البقاء في سلطة من أي نوع كانت. جاؤوا إلى السلطة وهم يمارسون ممارسات النظام القديم، ويريدون سلطة أوسع مما كان لدى سلطة الاستبداد؛ لا مبالغة في اتهام الفرعونية.  مشكلة الإخوان المسلمين ليست التناقض بين أقوالهم وأفعالهم، بل هي فراغ أفكارهم؛ لذلك تأتي أفعالهم أسوأ من أقوالهم. لو كانوا صادقين في أقوالهم لكان الأمر أسوأ. هم يستوردون الأفكار حول الدنيا من مكان آخر، من خارج الشعب الذي يدّعي الرئيس مرسي أنه يمثله. تمثيل الشعب يتطلب الاستجابة لحاجاته، يتطلب برنامجاً دنيوياً حول التنمية وصنع مجتمع قوي بالعمل والإنتاج.  «البركة في السعي والحركة»، عنوان لكتاب فقهي قديم. لكنهم لا يسعون لشيء سوى السلطة؛ سلطة مفرغة من كل شيء إلا وصفة صندوق النقد الدولي والإملاءات الإمبراطورية، حتى السيادة، يفرطون بها أكثر مما فعل نظام الاستبداد.  لا غرابة في أن يطلبوا استبداداً أشد من أجل تفريط أكبر بالمجتمع وثرواته وقدراته على العمل والإنتاج والإبداع. ولا عجب أن يثور الشعب المصري ضدهم، كما ثار ضد حكم المجلس العسكري وأسقطه، وكما ثار ضد حكم مبارك وأسقطه. هي الثورة الثالثة في غضون سنتين.  يقال إن الثالثة ثابتة.

Tripoli Scope - أخبار طرابلس لبنان - Lebanon News Now 24 | تريبولي سكوب - موقع طرابلسي يتفرد بتسليط الضوء على مدينة طرابلس خاصة والشمال ولبنان عامة. طرابلس ، لبنان ، تريبولي سكوب ، أخبار... - Akkar,lebanon,tripoli,tripoliscope,news,scope,north , Lebanon, News, Middle East, Lebanon News, Middle East News, News in Lebanon, Breaking News Lebanon, Lebanese news portal, Politics, Economy, Sports, Entertainment لبنان ٢٤، لبنان، أخبار، الشرق الأوسط، أخبار لبنان، أخبار الشرق الأوسط، خبر عاجل لبنان، سياسة، إقتصاد، رياضة، ثقافة

Back End Admin
 
تواصل معنا
        
خاص بالإعلانات
آخر الأخبار
 

خاص الموقع